رطوبة لم تجفّ
قراءة في "الليالي البيضاء" من موقع الجسد الذي لم يُلمَس
الورق أرقّ مما أتذكّر.
أمرّر إبهامي على حافة الصفحة فأشعر بشيء يشبه جلداً ميّتاً — ناعم، هشّ، يكاد يتفتّت لولا أنه ممسوك بغراء أضعف من نيّة. الطبعة قديمة. رائحتها ليست رائحة ورق بل رائحة غرفة أُغلقت طويلاً ثم فُتحت دفعة واحدة — شيء بين العفن والعطر، بين التذكّر والتحلّل. أقرأ الجملة الأولى، ولا أفهمها. أعيدها. لا أفهمها أيضاً. ليس لأنها صعبة، بل لأن الهواء في الغرفة ثقيل بما يكفي ليجعل الكلمات تتباطأ قبل أن تصل.
النافذة مفتوحة. الضوء الذي يدخل ليس ضوء نهار ولا ضوء ليل — ضوء معلّق بينهما، كمن توقّف في منتصف جملة لا يعرف كيف يكملها. هذا هو الضوء الذي تحتاجه لتقرأ دوستويفسكي. ضوء لا يلتزم بشيء.
أعود إلى الجملة الأولى. هذه المرة لا أقرأها — أتنفسها.
الحالم لا اسم له. هذا أول شيء يصيبك في الصدر. رجل يمشي في شوارع بطرسبورغ بلا اسم، بلا وجه تقريباً — وجوده كلّه في الطريقة التي يرى بها الأشياء. أعرف هذا الرجل. لا أعرفه لأنني قرأت عنه، بل لأنني كنتُه. كنتُه في تلك الفترة التي كان فيها العالم يحدث خلف زجاج — أراه، أسمعه مكتوماً، لكن يدي لا تصل. الحالم يمشي، ودوستويفسكي يصف مشيه بطريقة تجعلك تحسّ أنه لا يمشي حقاً، بل يطفو بمسافة سنتيمتر واحد عن الرصيف — قريب بما يكفي ليتوهّم أنه يلمس الأرض، بعيد بما يكفي ليعرف أنه لا يلمسها.
الحالم يسكن في رأسه. هذا ليس مجازاً. الجسد هنا وعاء مهمَل — يحمله صاحبه من مكان إلى مكان كمن يحمل حقيبة قديمة لم يفتحها منذ سنوات. يعرف أنها موجودة، يشعر بثقلها على كتفه، لكنه نسي ما في داخلها. المعدة جائعة فلا يأكل. القدمان متعبتان فلا يجلس. العينان مفتوحتان لكنهما تنظران إلى الداخل — إلى ذلك المسرح الشاسع الذي بناه خلف جبهته، حيث يعيش حيوات لم تحدث ويبكي على خسارات لم يخسرها.
أعرف هذا المسرح. أعرف الإضاءة الخافتة التي تجعل كل شيء يبدو أوضح مما هو — لأن الخيال لا يبالغ في الجمال. الخيال يبالغ في الوضوح. يُريك عرق النبيذ على الزجاج، الشعرة التي سقطت على الوسادة، الطريقة الدقيقة التي تتجعّد بها الشفة قبل الابتسامة. الواقع ضبابي. الخيال مؤلم في دقّته.
والحالم يقيم هناك. يقيم كما يقيم المستأجر في شقة ليست له — يعرف أن عليه أن يغادر، لكن الشارع خلف الباب بارد والمطبخ في الداخل دافئ، حتى لو كان المطبخ وهماً.
ِ
ثم تحدث ناستينكا.
لا أقول “تظهر”. ناستينكا لا تظهر — تحدث. تحدث كما يحدث السعال في غرفة صامتة: مفاجئة، مربكة، تعيد ترتيب كل الهواء في المكان.
الحالم يمشي على الجسر. النيفا تحته. النيفا في الليالي البيضاء ليست نهراً — هي مرآة مائلة تعكس سماءً لا لون لها. رطوبة ترتفع من الماء وتلتصق بالأصابع، بالرقبة، بالشعر. هذه الرطوبة مهمة. دوستويفسكي لا يذكرها، لكنني أشعر بها في كل جملة — شيء رطب يسكن النص من الداخل، يجعل الكلمات لزجة، تلتصق ببعضها، تلتصق بك.
وهي تبكي.
هذه اللحظة — امرأة تبكي على الدرابزين — ليست لحظة درامية بقدر ما هي لحظة فيزيائية. شيء ما في الفراغ بين الحالم وبينها يتغيّر. الهواء يصير أكثف. المسافة التي كان يسير فيها دون أن يلمس شيئاً، المسافة التي بناها حول جسده كجدار غير مرئي — هذه المسافة صارت فجأة واعية بنفسها. صارت تؤلم.
ألم أن ترى شخصاً حقيقياً بعد أن اعتدت على أشباح. العين التي ألِفت الصور لا تتحمّل الأجساد. الضوء المنعكس عن وجه حقيقي أحدّ من ضوء المخيّلة. يقطع.
الحالم لا يقترب منها لأنه شجاع. يقترب منها لأن جسده — ذلك الجسد المنسيّ — تحرّك من تلقاء نفسه. خطوة. خطوتان. كمن يمشي في نومه نحو شيء لا يراه لكنه يشمّه. والرائحة هنا ليست عطراً — الرائحة هي ذلك الشيء الذي ينبعث من شخص حيّ: حرارة، زفير، ملح.
الليالي الأربع التي تلت — كيف أصفها دون أن أرويها؟
ليست أربع ليالٍ. هي أربع درجات حرارة.
الليلة الأولى: باردة. برودة التردّد. الكلمات بينهما مثل خطوات على جليد رقيق — حذرة، تختبر السطح قبل أن تستقرّ. الحالم يتكلّم بأكثر مما ينبغي، لأن الصمت مع شخص حقيقي أثقل ألف مرة من الصمت وحيداً. وحيداً، الصمت فراغ. مع آخر، الصمت مساحة مشحونة تنتظر من يملأها، وانتظارها يكاد يكون مسموعاً.
الليلة الثانية: أدفأ. ليس كثيراً. دفء من النوع الذي تشعر به حين تضع يدك فوق شمعة — لا تلمس اللهب، لكنك تعرف أنه هناك. الحالم يروي لها عن عالمه الداخلي، عن حيواته الكثيرة التي لم تحدث. وهي تسمع. ليس إنصاتاً مهذباً. شيء أكبر وأخطر: اعتراف بوجوده. شخص حقيقي ينظر إلى الحالم ويرى شيئاً. ربما ليس ما يريد أن يُرى، لكن شيئاً. وهذا يكفي لتسخين العظام.
الليلة الثالثة: محتقنة. كل شيء في النص يتورّم. الكلمات تصير أكثر، والمسافات تصير أقل، والنهر يقترب من الجسر كأنه يتنفّس. الحالم الآن يعرف شيئاً لم يكن يعرفه: أن الجسد ليس حقيبة قديمة، بل شيء يشتعل. ببطء وبصمت وبطريقة لا تُرى من الخارج. ذلك النبض في الصدغ حين يقترب وجهها. ذلك الجفاف المفاجئ في الحلق. اليد التي ترتفع بسنتيمتر واحد عن ركبتها ثم تعود — كمن أدار المقبض ثم ندم، كمن فتح فمه ليتكلم ثم ابتلع الكلمة فسكنت في صدره حجراً صغيراً.
الليلة الرابعة: متجمّدة.
لا أقصد البرد. أقصد ذلك النوع من التجمّد الذي يحدث حين يخرج شيء من الفرن ويُوضع مباشرة في الثلج. صدمة حرارية. الشيء لا يبرد — ينكسر. ناستينكا ترى حبيبها. وكل شيء بناه الحالم في ثلاث ليالٍ — كل تلك الدرجات، كل ذلك التسخين البطيء — يتوقّف. لا ينهار. التوقّف أسوأ من الانهيار. الانهيار فيه حركة، فيه ضجيج، فيه شيء يحدث. التوقّف صمت. صمت من النوع الذي يسبق كل شيء ولا يعقبه شيء.
الحالم يقف.
ناستينكا تجري.
ودوستويفسكي يكتب المشهد بلا صراخ. لا دموع. لا مونولوج طويل. مجرّد رجل يقف على جسر ورطوبة النهر تصعد إلى وجهه، وأضواء بطرسبورغ البيضاء تغسل كل شيء بلون لا اسم له.
ِ
وأنا أقرأ هذا المشهد، أحسّ بشيء في يدي. ليس ألماً. ليس خدراً. شيء بينهما. كأن الأصابع تتذكّر لمسة لم تحدث. كأن الجلد يحتفظ بأثر شيء لم يلمسه — وهذا بالضبط ما يفعله دوستويفسكي. يكتب عن يد لم تمتدّ، فتحسّ بثقلها على ركبتك. الفراغ بين الإصبعين — إصبع الحالم وكتف ناستينكا — هذا الفراغ له وزن. أثقل من أي عناق كُتب في أي رواية.
لأن العناق يحدث ثم ينتهي. أما المسافة التي لم تُقطع فتبقى. تسكن في المفاصل.
الحالم، بعد أن تمضي ناستينكا، يبكي. ثم يشكر الله على تلك الليالي.
يشكر الله على أربع ليالٍ لم يلمس فيها أحداً. على رطوبة النهر التي التصقت بوجهه بينما كانت هي تسير بجانبه. على صوتها. على تلك اللحظة التي نظرت فيها إليه كأنه موجود فعلاً — موجود ككرسي أو جدار أو شجرة، شيء له ظلّ، شيء يشغل مكاناً في العالم.
الحالم كان يعيش، قبل تلك الليالي، في مكان لا يملك فيه حتى ظلاً.
يشكر ويده ما تزال معلّقة في الهواء.
أرفع عينيّ عن الصفحة. الغرفة لم تتغير. النافذة لا تزال مفتوحة. الضوء لا يزال في تلك المنطقة بين الليل والنهار. لكن شيئاً ما في جسدي تغيّر. لا أستطيع أن أحدّده. شيء أشبه بتغيّر في الكثافة — كأن الدم صار أبطأ بقليل، أو كأن الهواء في رئتيّ لم يعد يخرج بالسرعة نفسها.
أنظر إلى يدي على الغلاف. الورق لا يزال رقيقاً وهشاً. لكنني الآن أحسّ بالمسافة بين أصابعي والورق. أقلّ من مليمتر. لكنها موجودة. موجودة كما كانت المسافة بين يد الحالم وكتف ناستينكا — صغيرة بما يكفي لتتوهم أنها لا شيء، كبيرة بما يكفي لتعيش فيها حياة كاملة.
أغلق الكتاب. لا أغلقه حقاً — أضعه مقلوباً على صدري. ثقله قليل. أقلّ من ثقل يد. لكنني أحسّ بحافته تضغط على الأضلاع.
دوستويفسكي كتب هذه الرواية وعمره ستة وعشرون عاماً. ومع ذلك كتب عن الوحدة كشخص عاشها بجلده — ذلك الخشن الذي لا يؤلم بقدر ما يُهرئ. لم يكتب عن الوحدة كفكرة. كتب عنها كحالة مادية: غرفة، جدران، ضوء شاحب، خطوات في شارع فارغ. والحالم ليس بطلاً ولا ضحية — الحالم جسد لم يجد من يعيد تعريفه من الخارج. جسد عرف نفسه فقط من الداخل، فصار كالغرفة التي لم يدخلها أحد: نظيفة، مرتّبة، والهواء فيها ساكن سكوناً يشبه الموت.
وناستينكا فتحت الباب. لم تدخل. فتحته فقط — فدخل الهواء. ودخلت رائحة الشارع والبرد وكل ما كان الحالم يحتمي منه. ثم أغلقته.
والهواء الذي دخل لم يخرج.
ِ
أقف. أمشي نحو النافذة. أنظر إلى الشارع. لا أحد. سيارة متوقفة. مصباح يرمش. وأنا أقف عند النافذة كما يقف الحالم عند الجسر: أنظر إلى الخارج وأحسّ أن الزجاج بيني وبين العالم ليس زجاجاً بل شيء أنا صنعته — طبقة شفافة من العادة والحذر والأيام التي مرّت دون أن يحدث فيها ما يكسرها.
والكتاب على صدري ترك أثراً خفيفاً. ليس خدشاً، بل دفئاً. دفء من النوع الذي يتركه شيء كان هنا ثم رُفع. أمرّر يدي على المكان. لا شيء. لكن الجلد يتذكّر.
الجلد دائماً يتذكّر ما لم يلمسه أكثر مما يتذكّر ما لمسه.
ِ
هذا ما كتبه دوستويفسكي. لم يكتبه بهذه الكلمات. كتبه بأربع ليالٍ ورجل على جسر ورطوبة نهر وامرأة ذهبت. كتبه في الفراغ بين السطور، في المسافة بين الأصابع، في ذلك الضوء الأبيض الذي لا يلتزم أن يكون ليلاً ولا نهاراً.
الورق على الطاولة الآن. الغلاف القديم. الصفحات المصفرّة. أقلّ من مئة وخمسين صفحة.
كيف تسع مئة وخمسون صفحة كل هذه الرطوبة؟
النافذة مفتوحة. والهواء الذي يدخل أبرد مما كان عليه قبل أن أبدأ القراءة.
أو ربما أنا الذي صرت أشعر به أكثر.
قراءات سابقة:
سلطان حسيان .







كتبتُ عن الرواية من قبل، وكل احترامي لمن أعطاها منحها قراءة تليق بها، وقدر الفعلية فلم يختزلها في نَدَب بائس عن قصة رومانسية لم تكتمل.
مغادرة ناستينكا لم تُنشئ السقطة، بل قرّبت لحظة انكشافها، فحالمنا كان ليكتشف عاجلا أو آجلا أنه لم يحبها حقا بل أحب حضورها، أن وحدته خالدة، وأن سقمه أعمق من أن تداويه رومانسية موهومة نسجتها روحٌ أرهقها الانفراد.
وصفك لليالي البيضاء بهذه الطريقة جداً يشد القارئ