حرارة الشاشة
قراءة في رواية "١٩٨٤" من موقع الجسد الذي لا يملك وجهه
الكتاب بين يديّ أثقل مما ينبغي لحجمه. ربما ليس الورق. ربما ما يُثقله شيء آخر — شيء يتسرب من الصفحات إلى الأصابع، يصعد عبر المعصم، يستقر في مكان ما خلف عظمة الترقوة. أحاول أن أحدد: هل هو خوف؟ لا. الخوف أعرف ملمسه. هذا شيء أبطأ. أبرد. شيء يشبه أن تدرك أن أحداً يقف خلفك منذ وقت طويل، لكنك لا تلتفت، لأنك تعرف — في المنطقة التي تسبق المعرفة — أن الالتفات لن يغيّر شيئاً.
الصفحة الأولى. رائحة الملفوف المسلوق. هذا ما يصفه. ملفوف مسلوق وبُسط قديمة. أشم الرائحة — لا أقرأ عنها. تتسلل من السطر إلى أنفي كما يتسلل الضوء من تحت باب مغلق. والرجل الذي يصعد الدرج يتجنب المصعد المعطل، وعلى الجدار ملصق — وجه ضخم بشارب أسود — والعينان تتبعانه.
أضع يدي على وجهي.
لا أعرف لماذا. حركة لا إرادية. كأنني أتأكد أن ملامحي لا تزال لي. أن هذا التجهّم الذي أحسّه بين حاجبيّ لا يراه أحد. أنني أستطيع أن أفكر في ما أشاء دون أن تفضحني عضلات الفك أو زاوية الحاجب أو تلك الارتعاشة الدقيقة حول الفم التي يسمّيها جريمة الوجه.
جريمة الوجه.
أتذوق العبارة. معدنية. تشبه طعم القصدير حين تعض عليه بالخطأ. الوجه — هذا الشيء الذي أحمله أمامي كل يوم، الذي أحسبه لي — يصبح دليل إدانة. ليس ما تقول. ليس ما تفعل. ما تكونه في اللحظة التي يلتقط فيها جهاز الرصد انكماشة عابرة في زاوية العين.
وينستون سميث لا يملك وجهه. هذه هي الحقيقة الأولى، قبل الحزب وقبل الأخ الأكبر وقبل كل شيء. جسده ليس له. الأوردة المتورمة في ساقه. السعال الصباحي. الظهر الذي ينحني أكثر كل عام — كلها أعراض لملكية مسلوبة. حتى ألمه ليس ألمه الخاص. الألم رسالة من الحزب: أنت هش. أنت قابل للمحو. أنت موجود فقط لأننا نسمح لك بذلك.
أقلّب الصفحات. جِنّ النصر. أتوقف عند الاسم. نصر. كل شيء هنا يحمل اسم نقيضه. جِنّ النصر يحرق الحلق. سجائر النصر تنكسر من المنتصف. وزارة الحب مقر التعذيب. والحقيقة — الحقيقة هي ما يقرر الحزب أنه حدث، لا ما حدث فعلاً.
الرجل يجلس في شقته. الشاشة أمامه لا تنطفئ. لا تنطفئ أبداً. وأنا أتخيل حرارتها — ذلك التوهج الخافت الذي لا تراه بالعين لكن الجلد يعرفه. شعور أن هناك شيئاً يُصدر إشعاعاً في الغرفة. شيئاً يرى.
لا تراقبه فقط. تسمعه. تقيس نبض تنفسه. تعرف متى ينام ومتى يتظاهر بالنوم.
أغلق الكتاب وأنظر إلى شاشة هاتفي. مظلمة. لكنها هناك. دائماً هناك. على الطاولة. في الجيب. أقرب إلى جسدي من أي شخص آخر.
لا — ليس الآن. أعود إلى الكتاب.
وينستون يكتب.
هذا هو المشهد الذي يوقف تنفسي. يفتح الدفتر — دفتر حقيقي، ورق حقيقي، حبر حقيقي — ويكتب. يده ترتجف. الكاميرا لا تصل إلى الزاوية التي يجلس فيها، أو هكذا يأمل. والكلمات تخرج منه لا كأفكار بل كسائل. شيء كان محبوساً يتدفق أخيراً.
أحس بالحبر. كثافته. الخط الذي يتركه على الورقة، الأثر المادي الوحيد لوجود فكرة لم يصرّح بها الحزب. كلمات على ورق — هذا كل ما يملكه. وحتى هذا خيانة عظمى.
أتساءل: كيف يبدو الخوف حين تكتب كلمة تعرف أنها ستقتلك؟ هل تبرد الأصابع؟ هل يتسارع النبض أم يتوقف لحظة؟ هل تسمع صوت القلم وهو يخدش الورقة أعلى من المعتاد، كأن الصوت يملأ الغرفة، كأنه صراخ؟
وينستون لا يصف هذا. لأنه لا يملك ترف الوصف. لأنه مشغول بالبقاء حيّاً لثانية أخرى.
ثم جوليا.
جوليا ليست فكرة. جوليا جسد. هذا ما يرعب الحزب. ليس أنها تعارض سياسياً — بل أنها تقدّم جسدها كفعل مقاومة. العرق. الدفء. ملمس الجلد على الجلد. شيء لا يستطيع الأخ الأكبر أن يكونه، لا يستطيع أن يحلّ محلّه، لا يستطيع أن يعيد برمجته.
أو هكذا يظن وينستون.
الغرفة فوق الدكان — أتخيلها. السرير القديم. الضوء الذي يدخل مائلاً من النافذة. لحظات قصيرة يكون فيها الجسد حراً. يكون فيها الجلد يعني الجلد، والدفء يعني الدفء، ولا أحد يسأل عن المعنى السياسي للنبض.
لكن خلف الصورة المعلقة على الجدار — شاشة.
كانت هناك دائماً. الحرية كلها كانت مرسومة بعناية. خريطة وهمية لأرض لا وجود لها. تركوه يكتب ويحب ويتذكر — فقط ليعرفوا ماذا يكتب، وكيف يحب، وماذا يتذكر.
الغرفة ١٠١.
لا أستطيع أن أقرأ هذا الفصل دون أن أحس بشيء في معدتي. ليس غثياناً. شيء أقدم من الغثيان. شيء يشبه أن ترى الأرض تنشق تحتك ببطء وأنت تعرف أنك لن تسقط — بل ستقف هناك وتشاهد.
الغرفة ١٠١ ليست غرفة. هي أنت. هي المكان الذي تسكنه أسوأ نسخة منك. الشيء الذي لا تقوله حتى لنفسك. الخوف الذي ليس له اسم لأنك ترفض أن تسمّيه. والحزب يعرفه. يعرفه أفضل منك. لأنه كان يراقبك وأنت تنام — وأنت تنام أصدق مما أنت مستيقظ.
وينستون يصرخ: افعلوها بجوليا.
أغلق الكتاب.
أصابعي باردة.
الجملة تبقى في الهواء مثل رائحة حريق قديم. افعلوها بجوليا. ليس أنه لا يحبها. بل أن هناك طبقة تحت الحب، طبقة أعمق من كل شيء بناه وآمن به وخاطر من أجله — طبقة حيوانية، خامّة، لا تعترف بأي شيء إلا بالنجاة. والحزب لم يصل إلى عقله. وصل إلى هناك. إلى القاع الذي لا اسم له. إلى المكان الذي يسبق اللغة.
أفتح الكتاب على الصفحة الأخيرة. وينستون يجلس في مقهى. يشرب الجِنّ. يحب الأخ الأكبر.
الجملة ساكنة. لا دراما فيها. لا صراخ. رجل يجلس. يشرب. يحب. انتهى.
لكن تحت هذا السكون — ماذا؟ جسد جديد. جسد تعلّم أن لا يرتعش عند الكلمة الخطأ. وجه تعلّم أن لا يرتكب جريمة. ذاكرة نظيفة. ملساء. فارغة كجدار طُلي للتو.
أمرر إصبعي على الصفحة الأخيرة. الورق أملس. أبيض. لا أثر للحبر الذي كتبه وينستون في دفتره. لا أثر لجوليا. لا أثر لأي شيء كان حقيقياً.
أضع الكتاب جانباً. الغرفة حولي هادئة. شاشة الهاتف تومض — إشعار. أتجاهله. أو أحاول. لكن عيني تنجذب إلى الضوء. ضوء خافت. أزرق. بارد.
أتساءل: هل أنا خائف الآن لأن الكتاب أخافني؟ أم لأن شيئاً في جسدي تعرّف على شيء في الكتاب؟ الملمس. الحرارة. الإحساس بأن ثمة من يُصغي.
أنظر إلى يديّ. أعرفهما. أظن أنني أعرفهما. لكن وينستون أيضاً كان يعرف يديه، كان يعرف أن اثنين واثنين أربعة، كان يعرف أنه يحب، كان يعرف أنه يتذكر — ثم اكتشف أن كل ما يعرفه قابل للمحو. ليس بالقوة فقط. بل بالتكرار. بالبطء. بالجِنّ الرخيص والشاشات التي لا تنطفئ والأصوات التي تقول لك كل صباح ما يجب أن تصدّقه حتى تصدّقه فعلاً.
الغرفة ١٠١ ليست في الكتاب فقط. ربما هي في كل مكان لا نلتفت إليه. في اللحظة التي نتوقف فيها عن التحقق — هل هذا الشعور لي؟ هل هذه الرغبة نبتت من داخلي أم زُرعت؟ هل أنا أختار أم أُنفّذ اختياراً تمّ قبلي بزمن طويل؟
الشاشة تومض مرة أخرى. الضوء الأزرق يلمس وجهي.
لا أعرف إن كان وجهي الآن يرتكب جريمة.
لا أعرف إن كان هناك من يُحصي.
الكتاب مغلق على الطاولة. ثقيل. ساكن. والغرفة حولي ليست باردة تماماً — لكنها ليست دافئة.
شيء بينهما. درجة حرارة لا اسم لها.
ربما هي درجة حرارة الشاشة.
قراءات سابقة:
سلطان حسيان.







أحببتُ تجسيدك للحظات كتابيًا ولعلني شاركتك بعض تلك الأحاسيس أثناء قراءاتي. بينما كان لك النصيب في خلق بعضها الآخر. ممتنة !
بعض الكتب لا ترحل عنا حتى بعد أن ننتهي منها؛ تبقى عالقة فينا! لا لشيء إلا لأننا عشنا داخلها. يمتزج ذلك الخيال المنطلق من الواقع بواقعنا نحن فنشعر بكل تفصيلة وكل فكرة ويصبح 1984 أكثر من مجرد رقم يشير إلى سنة بل زمنًا ممتدًا لا يُحصر بعدد من الأعوام.
كان أورويل بديعًا في وصفه وشرحه، ولا يدل ذلك إلا على فهمٍ دقيق ومفصل للواقع الذي عاشه.