فراغٌ له وزن
عامان في جسد الاكتئاب
الضوء الرمادي يتسلل من النافذة. الثالثة عصرًا، لكن الغرفة تحمل صمت الفجر. كوب الماء على الطاولة لم يُلمَس منذ الأمس، طبقة غبار رقيقة استقرّت على سطحه كأن أحدًا أقام جنازة صغيرة للعطش. كل شيء في مكانه — الكتاب المقلوب على وجهه، الهاتف الذي يرمش بإشعارات لم أفتحها، الستارة التي تركتُها نصف مسدلة قبل أسبوع ولم أجد سببًا لتحريكها. كل شيء في مكانه، لكن شيئًا ما تغيّر في طريقة سقوط الضوء على الأشياء، كأن العالم يُعرَض الآن من خلف زجاج مخدوش.
في تلك السنة عرفتُ معنى أن يستيقظ المرء ولا تكون لديه جملة واحدة يبدأ بها نهاره. لم يكن قرارًا. كانت الجاذبية في فراشي قد أصبحت حقيقة فيزيائية، والمسافة بين الوسادة وحافة السرير هي المسافة الأطول التي عبرتُها في حياتي.
متى أدركتُ أن الأمر ليس مزاجًا عابرًا؟
ربما حين صرتُ أنام تسع ساعات وأستيقظ كمن حمل أثاثًا طوال الليل. ذراعاي ثقيلتان، ركبتاي تتأخران عن جسدي، كأن هناك تأخيرًا طفيفًا بين أن أقرر الحركة وأن يستجيب لحمي. الليل لم يعد مكانًا للراحة. كنت أستلقي فتبدأ الأفكار، لا كأفكار بل ككرة من الصوف تُفلَت في رأسي — خيط يجرّ خيطًا يجرّ خيطًا، حتى يمتلئ كل شيء ولا يبقى فراغ للنوم. والصباح؟ كنت أسمع المنبّه فأشعر بشيء يشبه الغثيان، لا في معدتي بل في وعيي — غثيان من فكرة أن يومًا آخر يجب أن يحدث.
توقفتُ عن الرد على الرسائل. كان الهاتف يضيء، وأقرأ الاسم، وأتخيّل ثقل الجملة التي يجب أن أكتبها، فأقلبه على وجهه وأتركه. صديق يسأل: “وينك؟”، فأحدّق في الكلمة كأنها سؤال فلسفي لا أملك إجابته. أين أنا فعلًا؟ كنت أحيانًا أضحك في محادثة عابرة — ضحكة مفاجئة تخرج من مكان لا أعرفه — ثم أسكت وأستمع إلى صداها، مستغربًا، كأنني سمعتُ صوت غريب في غرفتي.
لم يكن حزنًا. الحزن له شكل ولون وسبب يمكن أن تشير إليه. هذا كان شيئًا آخر: فراغ له وزن، غياب تشعر به في صدرك كأنه حضور.
بدأ في الهدوء. ليس صوتًا بالمعنى الحرفي، بل نبرة داخلية تتسلل بين أفكاري كما يتسلل الماء تحت الباب — بلا استئذان، بلا صوت تقريبًا. كنتُ أغسل وجهي صباحًا فيقول: أنت تكرّر نفسك. كنتُ أجلس إلى المكتب فيسأل: لِمَ تتظاهر؟ كنتُ أحاول أن أكتب فيهمس: مَن سيقرأ؟
لم أعد أعرف نفسي.
أفكّر كثيرًا. ولا أتحرك.
أرى كل شيء. ولا أريد شيئًا.
ذات ليلة — واحدة من تلك الليالي التي يصبح فيها السقف هو المنظر الوحيد — وجدتُ نفسي أتبع شرخًا صغيرًا في الجدار بعيني، وأفكّر: أنا هذا الشرخ. ليس مهمًا بما يكفي ليُصلَح، وليس كبيرًا بما يكفي ليُلاحَظ. ثم جاء السؤال، لا كتأمل فلسفي بل كحقيقة فيزيائية بسيطة تنزل في البطن: ما جدوى كل هذا الجهد لكائن سيختفي؟ لم يكن السؤال جديدًا. لكنه في تلك الليلة لم يكن سؤالًا — كان طعمًا في الحلق.
قبل أن يستقر في الفكرة، كان قد حفر وجوده في لحمي.
كتفاي: كأن أحدًا وضع يديه عليهما ولم يرفعهما. صدري: ضيق مستمر، أتنفس لكن الهواء يتوقف في منتصف الطريق، لا يصل إلى آخره. كنتُ أضع يدي على صدري أحيانًا وأضغط، لا لأنه يؤلمني بل لأتأكد أنه لا يزال هناك. أطرافي صارت من مادة أخرى — ثقيلة، متأخرة، كأن أحدًا أبدل دمي برمل. كنتُ أنام ثماني ساعات وأستيقظ كأنني لم أنم، فأنام ثلاثًا أخرى، فأستيقظ أسوأ.
الأكل تحوّل إلى مسألة ميكانيكية. أيام أنساه تمامًا حتى أشعر بدوار خفيف فأتناول أي شيء قريب — قطعة خبز، بسكويت من علبة مفتوحة منذ أيام — لا كطعام بل كوقود ضروري لجسد لا أهتم به. وأيام أخرى ألتهم كل شيء أمامي بحثًا عن شيء لا اسم له، ثم أجلس بعدها بخمس دقائق وأشعر بالخواء نفسه، كأنني لم آكل أصلًا.
حتى جلدي. صرتُ أمرّ يدي على ذراعي فأشعر بغرابة، كأنني ألمس شخصًا آخر.
العالم مستمر، وأنا متوقف. هذه واحدة من أقسى الجُمَل التي يمكن أن يعيشها المرء.
قالت لي صديقة ذات مرة على الهاتف، بنيّة طيبة صادقة: “حاول تطلع، غيّر جو.” ابتسمتُ وقلتُ: “إن شاء الله.” ثم أغلقتُ الهاتف وجلستُ على حافة السرير، أحدّق في حذائي عند الباب، وفكّرتُ أن المسافة بيني وبينه هي المسافة بيني وبين كل شيء. كانوا يرونني، لكنهم يرون النسخة التي تبتسم، النسخة التي تومئ، النسخة التي تقول “الحمد لله” حين تُسأل. أما الآخر — ذاك الذي يتنفس بصعوبة خلف هذا القناع — فلا أحد يعرف عنه شيئًا.
شعرتُ بالعار. ليس لأنني أعاني، بل لأنني لا أستطيع أن أشرح ما أعانيه. كيف تصف جرحًا لا يظهر على الجسد؟ كيف تقول لأحدهم إنك تحتضر وأنت واقف أمامه بكامل صحتك الظاهرة؟ فصمتُّ. والصمت في هذه الحالة ليس اختيارًا — إنه الشكل الوحيد المتاح للحقيقة حين تعجز اللغة.
لم تكن لحظة درامية. لا صراخ، لا انهيار يشبه المشاهد. كانت لحظة صمت طويلة أمام مرآة الحمّام، ماء الصنبور يجري بلا سبب، والبخار يغشّي الزجاج ثم يتراجع ببطء كاشفًا وجهًا أعرفه وأجهله. نظرتُ في عينَيه — أقول “عينيه” لأنه لم يكن أنا بالضبط — ورأيتُ التعب مترسّبًا هناك كما يترسّب الملح في إناء نسيه أحدهم على النار.
لم يكن السؤال “كيف أخرج؟”
كان سؤالًا أهدأ، أشبه بملاحظة تُقال بصوت منخفض: هل في داخلي ما يستحق أن أعود من أجله؟
لحظة طويلة لم أجد جوابًا. وفي غياب الجواب، جاء إدراك — ليس قرارًا بل استنفاد. أنني لا أستطيع أن أستمر في هذه الحرب الصامتة مع نفسي. أن شيئًا ما يجب أن يتحرك، ولو بحجم إصبع.
أغلقتُ الصنبور. ومسحتُ المرآة بكفّي.
لم أخرج.
لا أعرف إن كان أحد يخرج فعلًا. ما حدث أقرب إلى التعوّد على المشي بثقل في الحذاء — لم يختفِ الثقل، لكنني تعلّمت أن أرفع قدمي أعلى قليلًا. هناك أيام أستيقظ فيها وأشعر بشيء يشبه الخفّة — لا أسمّيه سعادة، فقط غياب مؤقت للوزن — وأيام أخرى أعود فيها إلى ذلك الكوب المغبَّر على الطاولة، وأعرف أنني لا أزال هناك، في مكان ما.
الفرق الوحيد أنني صرتُ أعرف اسم الغرفة التي أنا فيها.
أحيانًا، هذا يكفي.
ِ
سلطان حسيان





يستطيع ايًا كان أن يصبح كاتبًا ، لكن ، من وجهة نظري يصل الكاتب إلى مرحلة الفن حقا عندما يستطيع ببلاغة وصفه وقوته أن يوقظ فينا شعورًا لم نعشه قط ، حين ينقل لنا تجربة لم تمر بنا ولكن نشعر من عمق إحساسنا بها أنها ذكرى قديمة في قلوبنا ، حتى تكون كأنها حدثت لنا يومًا
وهذا بالضبط ما وجدته في هذا النص
اسأل الله أن تكون ايامك القادمة خفيفة لطيفة وان يغمر قلبك بالسلام ، أن يرزقك سعادة تجعل كل ما عايشته في هذا النص ذكرى بعيدة تذوب في النسيان ، لا تستحضرها الا حين تمر على نصوصك القديمة
(حتى جلدي. صرتُ أُمرِّر يدي على ذراعي فأشعر بغرابة، كأنني ألمس شخصًا آخر)
هذا الوصف لامسني جدًا، لأنني عشتُ شعورًا مشابهًا؛
كنتُ أمسك بيدي وكأنها ليست لي، كأنني ألمس جسدَ شخصٍ آخر.
كان إحساسًا غريبًا بالانفصال عن نفسي، يأتيني مع الوسواس القهري والاكتئاب، ويُعرف علميًا باختلال الآنية.
كنت أشعر أن كل شيء بلا معنى، وأن الحياة بكل تفاصيلها مؤقتة وعابرة.