لم أقم
عن الجلوس في مكان لا ينوي الجسد البقاء فيه
الطاولة فارغة إلا من كوب ماء.
ماء فقط، لا قهوة، لا كتاب مفتوح، لا شاشة.
الضوء يدخل من النافذة بزاوية كسولة، يرسم مستطيلاً على الخشب،
ويتحرك ببطء لا أحسّ به إلا حين أنتبه أنه تجاوز حافة الكوب.
لا أفعل شيئاً.
الجملة نفسها تضغط على صدري من الداخل.
لا أفعل شيئاً — كأنها اتهام.
كأن جسدي الجالس هنا، يتنفس، يراقب الضوء يتحرك،
يحتاج أن يبرر وجوده لأحد.
لمن؟
لا أعرف.
لكن الصوت موجود، صوت خافت يشبه حكّة في مكان لا تصله اليد، يقول: كان يمكنك.
كان يجب. هناك من يفعل الآن ما لا تفعله.
أمرر إصبعي على حافة الطاولة.
فيها خدش قديم لا أتذكر مصدره.
ربما كان هنا قبل أن أشتريها.
ربما أنا من صنعه ونسيت.
الخدش لا يهمّ أحداً — لكنني ألمسه الآن كأنني أقرأ بطريقة برايل شيئاً لم يُكتب.
الهاتف مقلوب على وجهه. فعلتُ ذلك عمداً.
لكن قلبه الزجاجي ما زال يطنّ.
أشعر بطنينه في الخشب.
إشعارات لا أراها لكنني أحسّها — نبضات صغيرة من حيوات أخرى تتحرك،
تُنجز، تُعلن عن إنجازها.
شخص أنهى كتاباً.
شخص استيقظ الخامسة فجراً.
شخص يركض. شخص يخبرني أن الوقت لا يعود.
أعرف أنه لا يعود. الضوء على الطاولة يثبت ذلك كل ثانية وهو ينزاح.
لكن هناك فرقاً بين أن يمضي الوقت وأن أركض خلفه.
فرقاً لا أستطيع تسميته بدقة — أحسّه في عضلة تحت الكتف ترتخي حين أتوقف عن محاولة اللحاق.
حرّكتُ قدمي. لم أقم.
لكنني حرّكتها كمن يستعد للقيام.
الجسد لا يتعامل مع الفراغ كمساحة فارغة، بل كمساحة مكشوفة — كأن الجلوس بلا غرض يفتح نافذة لا أريد أن أنظر منها.
فعضلات الفخذ مشدودة منذ جلست، مشدودة كمن يجلس في مكان لا ينوي البقاء فيه.
والكتف التي ارتخت قبل لحظة عادت تتصلّب من تلقاء ذاتها، كأن الراحة نفسها تحتاج جهداً لا أملكه.
سنوات وأنا أملأ كل ساعة. أحشوها كمن يحشو حقيبة سفر لرحلة لن تحدث.
دورات، قوائم، خطط، كتب مفتوحة على صفحات منتصفية كثيرة لم تُقرأ لأن كتاباً آخر كان ينتظر.
ثم في الليل — هذا الشيء. هذا الثقل.
ليس تعباً، التعب أبسط. شيء يشبه أن تكون ممتلئاً وجائعاً في الوقت نفسه.
كأن كل ما دخل لم يُهضم، كأن المعدة مشغولة بالبلع أكثر من الفهم.
الغريب أنني لم أكن أسمّيه مشكلة. كنت أسمّيه طموحاً.
كنت أسمّيه انضباطاً. الكلمات نفسها تلمع كمعدن مصقول — لا ترى فيها إلا وجهك وأنت تبتسم.
لا ترى الصدأ الذي خلفها إلا حين تتوقف طويلاً بما يكفي لتنتبه لرائحة الحديد.
فتحتُ الهاتف.
لم أفتحه لأنني أردت شيئاً. فتحته لأن يدي وجدت الطريق أقصر من التفكير. مررت بالشاشة.
لم أقرأ شيئاً. لم أبحث عن شيء. فقط مررت. إصبعي تتحرك كأنها تعمل،
والعين تتابع دون أن تُمسك بشيء. بعد دقيقة — أو أقل — أغلقته وأعدته إلى الطاولة. لم يتغير شيء.
لكنني شعرت، لثانية، بأنني فعلت شيئاً.
وتلك الثانية كانت كافية. كافية لتُسكت الصوت. لا لأنه اقتنع،
بل لأنه حصل على ما يكفي من الحركة كي يعود إلى الخلف.
الآن، الطاولة فارغة.
والفراغ له ملمس لم أتوقعه.
ليس بارداً ولا ساخناً. يشبه الماء الفاتر — لا يلفت الانتباه، لكنه موجود على الجلد،
يحيط بكل شيء، يجعلني أحسّ بحدود جسدي بطريقة لا أحسّها حين أكون مشغولاً. مشغولاً أكون بلا حواف.
أتسرّب في المهام كسائل يأخذ شكل الإناء. هنا — في الفراغ — أعود صلباً.
أحسّ بأصابعي. بوزن ظهري على الكرسي. بشيء خافت في أسفل الأضلاع، شيء كان محشوراً هناك ربما منذ أسابيع،
ولم يجد مساحة ليتمدد إلا الآن.
لا أسمّيه راحة. الراحة كلمة مرتبة أكثر مما ينبغي.
هذا شيء أقرب إلى أن تسمع صوتك الخاص بعد أن أمضيت يوماً كاملاً تسمع أصوات الآخرين.
ليس صوتاً واضحاً، ليس جملة مكتملة — مجرد تردد. تردد هو أنت.
الماء في الكوب ساكن.
سطحه يرتجف حين تمر شاحنة في الشارع — ارتجاجة صغيرة بالكاد مرئية، ثم يعود ساكناً.
أفكر أن هذا ما يفعله الفراغ بالضبط: لا يضيف شيئاً، لكنه يتركني ساكناً بما يكفي لأشعر بالارتجاجات التي كانت تمر دون أن ألاحظها.
الضوء تجاوز الكوب الآن. صار على حافة الطاولة الأخرى.
ساعة مرّت، ربما أكثر. لم أفعل شيئاً.
الجملة ما زالت هناك. لكنها لم تعد تضغط. صارت أخفّ،
أبعد، كصوت يأتي من غرفة مجاورة لم أعد متأكداً أنها مفتوحة.
عضلات فخذي ما زالت مشدودة.
لكنني لم أقم.
ٍ
سلطان حسيان .




