ثمانية عشر عامًا من السقوط
تأملات في الانفصال كولادة متأخرة
الطلاق ليس حدثًا، إنه انهيار كوني صامت
كانت تستيقظ كل صباح على وهم أن اليوم سيكون مختلفًا. ثمانية عشر عامًا من الاستيقاظ على الوهم ذاته، كأنها سيزيف في نسخة نسائية، تدحرج الصخرة إلى قمة الجبل كل يوم، لتجدها في اليوم التالي قد تدحرجت مجددًا إلى القاع. لكن الفرق أن سيزيف كان يعرف أن صخرته ستسقط، أما أختي فقد ظلت تأمل، ضد كل منطق وجودي، أن الصخرة ستستقر هذه المرة في مكانها.
الطلاق ليس حدثًا، إنه انهيار كوني صامت. إنه اللحظة التي تدرك فيها أن كل ما بنيته من معنى كان مؤسسًا على رمال متحركة. ثمانية عشر عامًا ليست مجرد أرقام في تقويم، إنها طبقات من الذات تراكمت فوق بعضها، كل طبقة تحمل اسمه، رائحته، خيباته، وعوده الكاذبة. وحين يأتي الانفصال، لا ينفصل المرء عن الآخر فحسب، بل ينفصل عن كل تلك النسخ من نفسه التي صنعها لأجل استمرار الوهم.
كان رجلًا بلا عمل، لكنه لم يكن بلا مشروع. مشروعه الوحيد كان تدمير معنى وجودها ببطء، بمنهجية تكاد تكون فنية. النرجسي لا يكتفي بأن يراك مرآة له، بل يريدك مرآة محطمة، حتى حين تنظرين إليه، ترين نفسك مشوهة، ممزقة، غير كافية. كان يتهمها في أخلاقها، في شخصيتها، في جوهر كينونتها، وهي التي حملته كما تحمل الأرض جثة ثقيلة لا تتحلل.
المخدرات كانت هروبه الوحيد من مواجهة ذلك العدم الذي يسكنه. لأن الرجل الخائف من مواجهة نفسه يصبح أكثر خطورة من أي وحش في الأساطير القديمة. إنه يحول خوفه إلى سلاح، يطعنك به كلما اقتربت من حقيقته. كان يعيش في قلعة من الأوهام، تحرسها جيوش من الاتهامات والإسقاطات، وكانت هي السجينة الوحيدة في هذه القلعة، تحاول أن تقنع نفسها أنها تعيش في قصر.
الوجودية تخبرنا أن الإنسان محكوم عليه بالحرية، لكن ما لا تخبرنا به الفلسفة هو كم يمكن أن تكون الحرية مرعبة حين تأتي بعد ثمانية عشر عامًا من السجن الطوعي. أختي لم تكن ضحية بالمعنى الساذج للكلمة، كانت شريكة في صناعة سجنها، تضيف قضبانًا جديدة كل يوم باسم الحب، باسم الصبر، باسم الأمل، باسم كل تلك المفاهيم النبيلة التي تتحول إلى أغلال حين نسيء فهمها.
كانت تسأل نفسها في الليالي الطويلة: “متى بدأ كل هذا؟” لكن البدايات دائمًا ضبابية، كأنها تحاول أن تتذكر اللحظة الدقيقة التي بدأت فيها الغرغرينا تنتشر في عضو حي. ربما كانت هناك لحظة واحدة، صغيرة، لا تُلاحظ، حين قبلت أول إهانة، أول كذبة، أول خيانة صغيرة. ومن تلك اللحظة، بدأ التطبيع مع الألم، حتى أصبح الألم هو الحالة الطبيعية، والسلام استثناءً مريبًا.
الرجل النرجسي لا يحب، إنه يستهلك. وحين يُفصل من عمله، حين يفقد أي مصدر لتأكيد ذاته من العالم الخارجي، يتحول الشريك إلى المصدر الوحيد، إلى المعدن الذي يجب أن يُستخرج منه كل يوم شيء من القيمة لسد جوعه الوجودي. كانت تعطيه من ذاتها حتى كادت أن تصبح فارغة، شبحًا يتحرك في البيت، ينظف، يطبخ، يعمل، يصمت، يختفي.
والمخدرات؟ المخدرات كانت الشاهد الصامت على كل هذه المأساة. إنها لم تكن السبب، بل كانت العرَض. كان يتعاطاها لا ليشعر بالنشوة، بل ليتوقف عن الشعور بالعار، بالفشل، بذلك الفراغ الهائل الذي يسكن مركز كينونته. وكلما غرق أكثر في المخدرات، كلما احتاج إلى كبش فداء أكبر، وكانت هي الكبش الأقرب، الأسهل، الأكثر تفانيًا في دور الضحية.
لكن الأمر الأكثر قسوة في هذه القصة ليس قسوته، بل قسوة الزمن نفسه. ثمانية عشر عامًا من عمر امرأة ليست مجرد أرقام، إنها شباب ذبل، أحلام مات بعضها وتشوه البعض الآخر، صداقات انقطعت، فرص ضاعت، نسخة كاملة من الذات دُفنت حية. وحين تقرر أخيرًا أن تنفصل، لا تنفصل عن رجل فقط، بل تنفصل عن كل تلك السنوات، عن كل تلك الأكاذيب التي قالتها لنفسها، عن كل تلك المرات التي اختارت فيها أن تصدق الوهم بدلًا من مواجهة الحقيقة.
الفيلسوف سارتر قال إن “الجحيم هو الآخرون”، لكنه لم يكن دقيقًا تمامًا. الجحيم هو أن تعيش مع آخر يجعلك تشك في قيمة وجودك نفسه. الجحيم هو أن تستيقظ كل يوم لتثبت أنك إنسان يستحق الاحترام، لشخص قرر منذ زمن طويل أنك لا تستحقين شيئًا. الجحيم هو أن تكون مرآته المحطمة، وأن تحاول جمع شظايا نفسك كل ليلة، لتستيقظ في الصباح وتجده يحطمك من جديد.
وحين اتهمها في أخلاقها، في شخصيتها، بعد كل تلك السنين، لم يكن يتهمها حقيقة، بل كان يحاول أن يمحو آخر دليل على فشله. لأن وجودها كامرأة صامدة، عاملة، أخلاقية، كان يشكل مرآة لا يحتمل النظر إليها. فكان لا بد من تحطيم المرآة، حتى لا يرى فيها صورته الحقيقية: رجل فارغ، خائف، هارب من كل مواجهة حقيقية مع ذاته.
الطلاق، في هذا السياق، ليس نهاية فاشلة لقصة حب، بل هو ولادة متأخرة. إنه اللحظة التي تقرر فيها امرأة أن تتوقف عن الموت ببطء، وأن تبدأ في العيش، حتى لو كان العيش مؤلمًا، حتى لو كان مرعبًا، حتى لو كان وحيدًا. لأن الوحدة مع الذات أشرف ألف مرة من الرفقة مع من يسرق منك ذاتك كل يوم، قطرة قطرة، حتى لا يبقى منك إلا شبح يسكن جسدك.
لكن أختي، رغم كل شيء، لم تنفصل فقط عنه، بل انفصلت أيضًا عن جزء منها، عن تلك المرأة التي كانت تصدق أن الصبر فضيلة مطلقة، أن الحب يعني التضحية بكل شيء، أن دورها في الحياة هو أن تكون منقذة لرجل لا يريد أن يُنقذ. انفصلت عن أوهامها الرومانسية، عن تصوراتها المثالية عن الزواج، عن إيمانها الأعمى بأن كل شيء سيصلح نفسه بطريقة ما، بمعجزة ما.
والآن، وهي تقف على أنقاض ثمانية عشر عامًا، ليس لديها إجابات واضحة. لا تعرف إن كانت أخطأت حين بقيت كل هذا الوقت، أم حين قررت أخيرًا أن ترحل. لا تعرف إن كان بإمكانها أن تعود إلى نفسها القديمة، أم أن تلك النسخة منها ماتت فعلًا في مكان ما بين السنة الأولى والثامنة عشرة. تعيش في حيرة وجودية عميقة، لا تدعي فهم معنى كل ما حدث، لا تحاول أن تغلف كل شيء بدرس أخلاقي نظيف.
إنها فقط تحاول أن تتنفس، أن تمشي خطوة واحدة كل يوم، أن تعيد اكتشاف من هي خارج دائرة الألم التي سجنت نفسها فيها. وربما هذا هو أصدق شكل من أشكال الوجود الإنساني: أن تعيش دون إجابات نهائية، دون يقين مريح، فقط مع سؤال كبير واحد يتردد في الصمت: “من أنا الآن، بعد كل هذا؟“
By : Sultan Husayyan


