الغريب المألوف
رواية قصيرة
١
كانت رائحة القهوة المحمّصة تصل إلى الممر قبل أن يفتح عينيه. هذا ما كان يعرفه عن الصباح: أنه يبدأ من أنفه، لا من ساعة المنبّه. كان يسمع حركتها في المطبخ — احتكاك الدلّة بالموقد، طقطقة الغاز الخفيفة ثم اشتعاله، صوت الماء وهو يملأ الركوة بإيقاع ثابت لا يتغير. كانت حصة تعدّ القهوة بالترتيب نفسه كل يوم: الهيل أولاً، ثم الزعفران، ثم تقليب واحد عكس عقارب الساعة. قالت له مرة إن والدتها علّمتها ذلك. كان يصدّقها. لم يكن ثمة سبب لعدم التصديق.
في تلك السنوات الأولى، كان المنزل يتنفّس. هكذا كان يشعر، دون أن يقولها بصوت عالٍ. الجدران البيضاء التي اختارتها حصة كانت تمتص ضوء الصباح وتعيده ليّناً، دافئاً، كحليب انسكب على كل شيء. الأريكة الكبيرة في الصالة كان قماشها المخملي يحتفظ بشكل جلستهما معاً — انبعاج خفيف في الجانب الأيسر حيث يجلس هو، وآخر أصغر على اليمين حيث تطوي ساقيها تحتها وتقرأ. كان يحبّ أن يمرّ بأصابعه على ذلك الانبعاج في غيابها، يتتبّعه كأنه يقرأ بطريقة برايل كلمة لا يعرف معناها لكنه يطمئن لملمسها.
الصور على الجدار الشرقي كانت مرتّبة بعناية لا تبدو مصطنعة. صورة زفافهما في الوسط — هو بثوبه الأبيض وشماغه، وهي في ثوبها الأخضر الداكن، وجهها نصف مائل نحوه، وعلى شفتيها ابتسامة يعرفها. صور أصغر حولها: رحلة إلى إسطنبول، عشاء مع أصدقاء لم يعد يراهم، صورة لطبق كنافة صنعتها في رمضان الأول، وأصرّت على توثيقه قبل أن يلمسه.
كان كل شيء في مكانه. كان كل شيء يقول: أنت هنا. أنت آمن. لا أحد يراقبك.
٢
الملف كان في صندوق كرتوني، في الرف العلوي من خزانة غرفة الضيوف.
لم يكن يبحث عن شيء. كان يبحث عن مفكّ براغي لإصلاح مقبض باب الحمام. هذا كل ما في الأمر: مقبض يحتاج إلى شدّ، وأداة ضاعت في مكان ما بين الأشياء المخزّنة. سحب الصندوق. سقطت منه عدة أوراق. انحنى ليلتقطها.
الورقة الأولى كانت مطبوعة. في أعلاها شعار لم يتعرّف عليه فوراً — ثم تعرّف عليه. رقم مرجعي. تاريخ. اسمه الكامل في السطر الثالث. وتحته، بخط مألوف جداً — خطها هي — ملاحظات بالنقاط:
“الهدف استقر عاطفياً بعد الانتقال إلى المنزل الجديد. لا يزال يتجنب الاتصال بأفراد مجموعة ١٩٩٧. يُظهر ثقة كاملة بالمحيط المنزلي. لا مؤشرات على استئناف النشاط.”
الكلمة التي توقّف عندها لم تكن “الهدف”. لم تكن “مؤشرات” أو “النشاط”. الكلمة التي جعلت يده تتوقف عن الحركة كانت: “المحيط المنزلي”. هاتان الكلمتان بالتحديد. لأنهما حوّلتا الجدران البيضاء، والقهوة، والأريكة المخملية، والصور على الجدار الشرقي — حوّلتا كل شيء إلى كلمتين في تقرير.
كانت يده اليسرى لا تزال ممسكة بحافة الصندوق. لاحظ أن أصابعه ابيضّت. أرخى قبضته ببطء. الأوراق التي سقطت كانت كثيرة — عشرين، ثلاثين ورقة، بعضها بخط اليد وبعضها مطبوع، وكلها تحمل التواريخ نفسها التي يعرفها: ذكرى زواجهما الثالثة، رمضان ٢٠٠٥، الأسبوع الذي أصيب فيه بالحمى ولم يغادر السرير أربعة أيام.
لم يقرأ بقية الملف. وضع الأوراق داخل الصندوق. أعاد الصندوق إلى الرف العلوي. أغلق باب خزانة غرفة الضيوف. عاد إلى الممر. وقف أمام باب الحمام. المقبض لا يزال مائلاً.
من المطبخ، وصل صوت حصة: “راشد؟ القهوة جاهزة.”
أدار المقبض المائل. دخل. أغلق الباب خلفه. فتح الصنبور. الماء البارد ملأ كفّيه. رفعه إلى وجهه. أبقاه هناك لحظة. الماء سال من بين أصابعه إلى الحوض بصوت خفيف، كصوت شخص يحاول أن يقول شيئاً ولا يعرف كيف يبدأ.
٣
في السنة الثانية من زواجهما، أصيب راشد بالتهاب رئوي حاد. نُقل إلى المستشفى ثلاث ليالٍ، ثم أكمل أسبوعين في المنزل. كانت حصة تجلس بجانب السرير كل مساء. تضع يدها على جبهته لتتفقّد الحرارة — كفّها البارد على جلده الساخن كان يمنحه لحظة ارتياح قصيرة وحادة، كغطسة في ماء بارد في يوم صيف.
كانت تعدّ الشوربة بنفسها. ترفض أن تطلبها من الخارج. “أمي كانت تقول إن الشوربة الجاهزة ماء مُتنكّر”، قالت مرة وهي تقشّر الجزر بجانب السرير. كانت القشور تسقط في صحن صغير وضعته على ركبتيها، وكان صوت السكين على الجلد البرتقالي الصلب يملأ الغرفة بإيقاع مهدّئ. أخذ يراقب يديها. كانت حركتها دقيقة، سريعة، خالية من أي تردد، كأنها تؤدي عملاً فعلته ألف مرة. تقشّر، تقطّع، تضع في القدر. كل ذلك دون أن تنظر إلى يديها. كانت تنظر إليه.
“ارتاح. أنا هنا.”
هاتان الكلمتان — “أنا هنا” — كانتا تكفيان. كان يغمض عينيه ويتركها تملأ الفراغ حوله بأصوات الاهتمام الصغيرة: حفيف المنديل، فتح الدرج وإغلاقه، رنين ملعقة على حافة الكوب.
كان يعتقد أنه يعرف شكل الأمان. الأمان هو أن تغمض عينيك في حضور شخص آخر ولا تخاف. الأمان هو صوت السكين على الجزر.
٤
بعد أسبوع من العثور على الملف، بدأ راشد يلاحظ الأشياء.
ليس أشياء جديدة. الأشياء نفسها. لكنها لم تعد نفسها.
الأريكة المخملية، مثلاً. كان يعرف أن حصة هي التي اختارتها. ذهبا معاً إلى المعرض، وأمضيا ساعة يتنقّلان بين الألوان. اختارت اللون الكحلي. قال لها: “اختاري ما يعجبك.” ابتسمت وقالت: “الكحلي يناسبك. يجعل البيت يشبهك.”
الآن، جالساً على حافتها، مرّر يده على القماش. الملمس الذي كان يمنحه الراحة صار كثيفاً تحت أصابعه، مقاوماً، كأن شيئاً تحت السطح يرفض أن يُلمس. رفع يده. نظر إليها كأنها يد غريب لمس شيئاً لا يخصّه.
وقف. مشى نحو الجدار الشرقي. صورة الزفاف. وقف أمامها مدة طويلة. الابتسامة على وجه حصة — تلك الابتسامة التي عرفها عشرين سنة — لم تتغيّر. الصورة لم تتغير. لكنه لم يعد يرى فيها ما كان يراه. كأن شخصاً أزاح طبقة رقيقة شفّافة كانت تغطي الصورة، وتحتها صورة أخرى، بالأبعاد نفسها والوجوه نفسها، لكن الإضاءة مختلفة. باردة. كإضاءة عيادة.
صورة إسطنبول. تذكّر ذلك اليوم: جسر غلطة، والسمك المشوي على العربات، وحصة تلتفت نحوه وتضحك لأن النورس سرق قطعة خبز من يدها. كان المشهد حقيقياً. الضحكة كانت حقيقية. أم كانت كذلك؟ كيف يمكن لشخص أن يضحك هكذا ويكتب في المساء نفسه ملاحظات عن “الحالة النفسية للهدف” و”مؤشرات الاستقرار”؟
مشى إلى المطبخ. فتح الخزانة. أخرج فنجان القهوة — فنجانه. الفنجان الأزرق الداكن بالحافة المذهّبة الذي اشترته له حصة في عيد ميلاده الأول بعد الزواج. “لأنه يشبه عينيك”، قالت. أمسكه بيديه الاثنتين. أدار الفنجان ببطء. لاحظ شرخاً رفيعاً في القاعدة لم يكن يراه من قبل — أو كان يراه ولا يبالي. خط رفيع، أبيض، يشقّ الأزرق الداكن من الأسفل نحو المنتصف، كأنه بدأ في مكان لا يراه أحد وزحف ببطء نحو السطح.
أعاد الفنجان إلى مكانه. لم يشرب قهوة ذلك الصباح.
٥
كانت أمسيات الجمعة تخصّهما.
هذا تقليد بدأ منذ السنة الأولى، بعد أن اكتشف راشد أن حصة تشاركه حبّ الأفلام القديمة. كانت تختار الفيلم، وهو يُعدّ الفشار. كان يضعه في المقلاة الكبيرة — لا الميكروويف، لأنها تقول إن صوت الحبّات وهي تنفجر على النار أجمل — ويُضيف الزبدة في النهاية، حين يتوقف صوت الانفجارات ويحلّ مكانه سكون خفيف تملأه رائحة دافئة لا تشبه إلا نفسها.
كانت تجلس على الأرض، ظهرها مسنوداً إلى الأريكة، وساقاها ممدودتان تحت البطانية الصوفية الرمادية. كان هو يجلس على الأريكة فوقها، قدمه تلامس كتفها أحياناً. لم يكن يفعل ذلك عمداً. وهي لم تكن تبتعد.
في واحدة من تلك الأمسيات، توقّف الفيلم في منتصفه بسبب عطل في الجهاز. بدلاً من إصلاحه، بقيا في الظلام. الشاشة السوداء كانت تعكس خيالاً باهتاً لشكليهما في الصالة. سألته: “ألا تشعر أحياناً أنك مراقَب؟ حتى في بيتك؟”
ضحك. “هذا لأنك شاهدتِ أفلام تجسس كثيرة.”
“ربما.” ثم سكتت لحظة. “لكن أليس هذا أكثر مكان يشعر فيه الإنسان بالأمان؟ بيته؟”
“بالتأكيد.”
“حتى لو لم يكن يعرف كل شيء عن الشخص الذي يعيش معه؟”
“لا أحد يعرف كل شيء عن أحد.”
كان يظن أنه حوار عابر. من النوع الذي تنسجه ليالي الجمعة بين زوجين اعتادا بعضهما. لم يكن يعرف أنها كانت تمنحه فرصة لم يأخذها.
٦
في الأسبوع الثاني بعد الاكتشاف، أعاد قراءة الملف كاملاً.
هذه المرة بترتيب. من التقرير الأول — المؤرّخ قبل ثلاثة أشهر من لقائهما “الأول” في حفل زواج صديقه ناصر — إلى التقرير الأخير، المؤرّخ قبل أربع سنوات. ستة عشر عاماً من التقارير. ستة عشر عاماً من الملاحظات المكتوبة بخط يعرفه كما يعرف ملامح وجهه في المرآة.
كل تقرير كان مقسّماً إلى أقسام: “الحالة النفسية”، “العلاقات الاجتماعية”، “أي اتصال بعناصر المرحلة السابقة”، “التوصية”. قرأ التقارير كشخص يقرأ سيرته الذاتية التي كتبها آخر. وجد فيها تفاصيل لا يتذكّرها هو نفسه: أنه نام متأخراً ليلة الثلاثاء الموافق ١٢ يناير ٢٠٠٧ لأنه كان يتصفّح منتدى سياسياً. أنه اشترى كتاباً عن التاريخ العربي الحديث في معرض الكتاب وقرأه في ثلاثة أيام. أنه تلقّى اتصالاً من رقم مجهول في مارس ٢٠٠٩ ولم يردّ عليه.
لكن ما جعل يديه تتوقفان على الورقة كان التقرير المؤرّخ في ٢ نوفمبر ٢٠٠٤ — يوم التهاب الرئة. السطر الثالث: “الهدف في حالة ضعف جسدي ونفسي. مناسب لتعزيز الارتباط العاطفي وترسيخ الاعتمادية.”
قرأ السطر مرتين. ثلاث مرات. السكين على الجزر. الكفّ البارد على الجبهة. “أنا هنا.”
أغلق الملف. وضعه على الطاولة أمامه. لم يشعر بالغضب. الغضب شعور يفترض أن ثمة شخصاً يمكن محاسبته، وأن الواقع الذي انكسر يمكن إصلاحه. ما كان يشعر به أقرب إلى ما يحدث حين يخطئ الإنسان الدرجة الأخيرة على السلّم — تلك اللحظة التي تبحث فيها القدم عن أرض ولا تجدها. ذلك التعليق في الهواء.
٧
في السنة العاشرة، غيّرت حصة ترتيب أثاث غرفة المعيشة.
لم يكن ثمة سبب واضح. قالت: “أحسّ أن الغرفة تحتاج هواء.” فنقلت الأريكة من الجدار الغربي إلى مقابل النافذة، وغيّرت مكان طاولة القهوة، وأضافت وسائد جديدة بلون الزيتون.
عاد من العمل ووقف في مدخل الصالة. لم يعرف غرفته. الأشياء نفسها، في أماكن مختلفة. احتاج لحظة ليجد مكانه.
“أعجبك؟” سألت من خلفه.
“مختلف.”
“مختلف حسن أم مختلف سيئ؟”
“مختلف فقط.”
ابتسمت. “ستعتاد.”
اعتاد. تكيّف جسده مع الإحداثيات الجديدة: الأريكة هنا، الطاولة هناك، الممر إلى المطبخ من هذه الزاوية. تكيّف دون أن ينتبه. والآن يتساءل — وهو واقف في الممر نفسه بعد عشر سنوات — كم مرة أعادت ترتيب عالمه دون أن ينتبه. كم مرة غيّرت أماكن الأشياء ليبقى هو في المكان الذي تريده.
الوسائد بلون الزيتون لا تزال على الأريكة. لكنه لا يستطيع الجلوس عليها.
٨
حصة كانت تلاحظ.
لم تكن تعرف ماذا يعرف. لكن الهواء بينهما تغيّر. صار أثقل. كثيفاً كهواء غرفة مغلقة في آخر الصيف.
بدأت تلاحظ أشياء صغيرة: أنه لم يعد يضع فنجانه في غسالة الأطباق بعد القهوة، بل يتركه على الطاولة كشيء لا يخصّه. أنه يمشي في الممر بخطوات أبطأ، كأنه يتحسّس أرضاً غير مألوفة. أنه لم يعد يلمس مسند الأريكة وهو يمرّ بجانبها — تلك الحركة العفوية التي كان يفعلها عشرين سنة، يمرّ ويلامس القماش بأطراف أصابعه كأنه يسلّم على شخص يعرفه.
فعلت ما تعرف أن تفعله. رتّبت. مسحت الأسطح. نظّمت الأدراج التي لا تحتاج تنظيماً. أعادت ترتيب المعلّبات في خزانة المطبخ حسب الحجم، ثم حسب اللون، ثم حسب تاريخ الانتهاء. وقفت في وسط المطبخ ونظرت إلى الخزانة المفتوحة. كل شيء في صفوف. كل شيء في مكانه.
لكن المنزل لم يعد يتعاون معها. الطاولة التي مسحتها ثلاث مرات ظلّت تلمع بطريقة باردة، كسطح معدني في غرفة فارغة. الستائر التي كانت تصفّيها كل صباح بدت ثقيلة، خاملة. حتى الضوء الذي يدخل من النافذة الكبيرة صار يسقط على الأرضية بزاوية مختلفة — أو هكذا بدا لها. كأن الشمس نفسها غيّرت عنوانها.
حين مرّ بجانبها في الممر مساء ذلك اليوم، مالت نحوه بحركة بالكاد تُرى — إمالة الكتف، الميلان الطفيف الذي يسبق لمسة أو كلمة. لكنه كان قد مرّ. لم يلتفت. سمعت خطواته تبتعد نحو غرفة المكتب. سمعت الباب يُغلق. ليس بعنف. بهدوء محسوب كان أسوأ من أي صوت آخر.
وقفت في الممر. يدها على جانبها. مفتاح الضوء قربها على الجدار، لكنها لم تشعله. بقيت واقفة في نصف العتمة، تسمع صوت تنفّسها. الممر الذي عبرته عشرين سنة — ذهاباً وإياباً، حاملةً القهوة، حاملةً الأطباق، حاملةً شيئاً آخر لا تعرف كيف تسمّيه — الممر نفسه بدا أطول تلك الليلة. أطول بكثير.
٩
في السنة الخامسة عشرة، اشترى لها عقداً.
لم يكن مناسبة. ليس عيد زواج ولا عيد ميلاد. عاد من العمل ووضع العلبة الصغيرة على طاولة العشاء، بين طبقها وكأس الماء. لم يقل شيئاً. جلس.
فتحت العلبة. عقد فضي رفيع، بقطعة صغيرة من الفيروز في المنتصف. أخرجته ببطء. وضعته على كفّها. نظرت إليه، ثم نظرت إلى راشد.
“لِمَ؟”
“أعجبني. فكّرت فيكِ.”
ابتسمت. ابتسامة مختلفة عن ابتسامة الصور. أصغر. أبطأ. فيها شيء يشبه الألم — أو لعله التعب. أمسكت العقد بيدين اثنتين كأنها تمسك شيئاً هشاً أكثر مما ينبغي.
“شكراً.” ثم، بصوت أخفض: “ما كان لازم.”
أكلا في صمت. كان صوت الملاعق على الأطباق هو الحوار الوحيد بينهما. بعد العشاء، رآها في المرآة وهي تضع العقد حول رقبتها. لاحظ أن يديها ترتجفان — رجفة خفيفة لا يراها إلا من يعرف يديها. أغلقت القفل. مرّرت إصبعها على الفيروز. التفتت لترى انعكاسه في المرآة خلفها. لكنه كان قد غادر الغرفة.
١٠
في الأسبوع الرابع بعد الاكتشاف، توقّف عن النوم في غرفتهما.
لم يخبرها. لم يحمل وسادة بشكل مسرحي إلى غرفة المكتب. كان أبسط من ذلك: يبقى ساهراً حتى تنام، ثم يمشي إلى غرفة المكتب ويجلس على الكرسي الجلدي. لا ينام. يجلس فقط. يراقب الضوء الخافت الذي يتسلّل من تحت الباب — ضوء الممر الذي تتركه حصة مشتعلاً دائماً لأنها تقول إنها لا تحبّ الظلام الكامل.
كان يجلس ويفكّر في الأشياء. لا في الملف. في الأشياء. في كيف أن المكتب الذي اختاره بنفسه — خشب الجوز الداكن، الأدراج الثلاثة على اليمين — يبدو الآن كقطعة أثاث في مكان لا يعرفه. كأنه يزور بيت شخص آخر ويتظاهر بأنه بيته.
الكتب على الرف: هل اختارها بنفسه، أم أن بعضها وُضع هنا لتُشكّل صورة عنه؟ الكرسي الجلدي الذي يجلس عليه: هل اشتراه لأنه أراده، أم لأنها قالت إنه “يناسب المكتب”؟ حتى موقع المكتب في الغرفة — مقابل النافذة، والنافذة تطلّ على الشارع — هل كان مصادفة أم كان جزءاً من تصميم أوسع، تصميم يضمن أن يبقى مرئياً حتى وهو يظنّ نفسه وحيداً؟
مرّ إصبعه على سطح المكتب. طبقة رقيقة من الغبار. حصة لا تدخل هذه الغرفة كثيراً — أو هذا ما كان يظنّه. الغبار أثبت أنها لم تمسحه منذ أيام. هذا على الأقل كان حقيقياً. هذه الطبقة الرمادية على سطح الخشب الداكن كانت الشيء الوحيد الذي لم يكذب عليه.
١١
ثم جاء ذلك المساء.
كانت حصة قد أعدّت العشاء. الكبسة. نفس الطريقة. نفس التوابل. نفس الرائحة التي كانت تملأ المنزل وتقول: هذا بيتك، هذا عشاؤك، هذه حياتك. وضعت الطبق أمام كرسيّه على طاولة العشاء. أعدّت طبقها مقابله. وضعت كأس الماء، والمناديل، والملاعق. كل شيء في مكانه. كأن شيئاً لم يتغيّر.
دخل راشد. لم ينظر إلى الطبق. لم ينظر إليها. جلس. كان يحمل الصندوق الكرتوني.
وضعه على الطاولة. بين طبقه وطبقها.
ثم فتحه.
بدأ يُخرج الأوراق. واحدة واحدة. يضع كل ورقة على سطح الطاولة بهدوء، كشخص يرتّب أوراق لعبة. لم تكن يداه ترتجفان. كانت حركته بطيئة، محسوبة، تأخذ وقتها. التقرير الأول بجانب طبقها. التقرير الثاني تحته. الصور — صور سرية لم يعرف أنها التُقطت: هو يدخل مسجداً، هو يتحدث في هاتف عمومي، هو نائم على الأريكة — وضعها في صف مستقيم. دفتر الملاحظات بخط يدها وضعه في الوسط.
الإضاءة فوق الطاولة كانت خافتة. اللمبة الصفراء التي اختارتها حصة لأنها “تجعل العشاء أجمل” كانت تُلقي ظلالاً ناعمة على الأوراق. لكن الناعم لم يعد ناعماً. الظلال كانت تقطع الصفحات بخطوط حادة، والضوء الأصفر جعل الحبر يبدو باهتاً، قديماً، كوثائق أُخرجت من أرشيف بعد سنوات.
صوت الأوراق وهي تُوضع على الخشب كان الصوت الوحيد في الغرفة. حفيف خفيف. مثل تنفّس.
حصة نظرت إلى الأوراق. عرفت خطها. عرفت الشعار. عرفت التواريخ. كل ورقة وضعها على الطاولة كانت سنة من سنواتها. ست عشرة سنة مفرودة أمامها على خشب طاولة العشاء، بين أطباق الكبسة.
فتحت فمها. شفتها السفلى تحرّكت — تلك الحركة التي تسبق الكلام. الحركة التي كان يعرفها. كان يعرف ما سيأتي بعدها: صوتها وهو يبحث عن أول كلمة، عن مدخل يقودها إلى جملة تبدأ بتفسير أو اعتذار أو شيء بينهما.
لكن راشد رفع يده.
ليس بعنف. حركة صغيرة. الكف مفتوح. ليس أكثر. لكنها كانت كافية. كانت كافية لأنها الحركة الأولى التي يفعلها منذ عشرين سنة لا تنتمي إلى القواعد التي رسمتها هي.
وقف.
دفع الكرسي إلى الخلف. صوت الخشب على البلاط.
مشى نحو الباب. لم يلتفت. لم يأخذ شيئاً. لم يغلق الصندوق. لم يغلق الباب.
خطواته على الأرضية. واحدة. اثنتان. ثلاث. أربع. كل واحدة أبعد من التي قبلها. ثم صوت الباب الخارجي: انفتاح، وتيار هواء بارد دخل إلى الممر كأنه كان ينتظر، ثم انغلاق. ليس صفقاً. إغلاق عادي. الصوت الذي يصدره باب أي بيت حين يُغلق.
بقيت حصة جالسة.
الأوراق أمامها. الكبسة تبرد. الضوء الأصفر الخافت يضيء وجهها ووجه الطاولة وكل تلك السنوات المفرودة بينهما. البخار الأخير يتصاعد من الطبق، يترقّق، يتلاشى.
الصمت في المنزل لم يكن صمت غياب. كان صمت شيء انتهى ولا يعرف بعدُ أنه انتهى — كإيقاع ساعة حائط توقّفت، وظل صداها يملأ الغرفة لحظة أخيرة قبل أن يدركها الفراغ.
انتهى…
ِ





