أثر
— ما لا يُغسل
في تلك الليلة، كنتُ أجلس على الكرسي القريب من النافذة،
أحمل كوب الشاي بيد واحدة وأنظر إلى الشارع دون أن أرى شيئًا بالفعل.
لاحظتُ الرائحة أول مرة كأنها فكرة خطرت لي ثم اختفت.
شيء دافئ ومغلق، مثل رائحة اللحم الذي نُسي خارج الثلاجة لساعات طويلة.
أدرتُ رأسي نحو المطبخ، لكن المطبخ كان فارغًا ونظيفًا.
فتحتُ الثلاجة وأغلقتها.
لا شيء.
جلستُ ثانية.
الرائحة لم تكن هناك بعد الآن،
أو ربما لم أكن أنتبه.
بعد أيام، كنتُ أقرأ على السرير،
وحين أغلقتُ الكتاب ووضعتُه جانبًا شممتُ الرائحة مرة أخرى.
هذه المرة كانت أوضح. شيء عضوي ودافئ،
كأن هناك خلايا تتحلل ببطء داخل الورق.
حملتُ الكتاب وشممتُه مباشرة.
لا شيء. وضعتُه. شممتُ الهواء. لا شيء.
لمستُ غلافه مجددًا بأصابعي ووجّهتُ وجهي نحو يدي.
هناك.
خفيفة، شبه مُتخيَّلة، لكنها هناك.
غسلتُ يديَّ وعدتُ إلى النوم ولم أفكر في الأمر كثيرًا.
الأسبوع الذي تلا ذلك كنتُ في اجتماع عمل.
قاطعتُ زميلًا كان يتحدث.
وقلتُ له بنبرة أراها الآن أكثر حدةً مما كانت ضرورية: هذا الكلام لن يفيدنا.
صمت الجميع قليلًا.
تابعنا.
في المساء، حين وضعتُ يدي على مقود السيارة،
كانت الرائحة تنتظرني.
ثقيلة هذه المرة، لا تشبه الفكرة بل تشبه الشيء نفسه.
شيء دافئ ورطب ومُعلَّق في الهواء المغلق للسيارة.
فتحتُ النافذة وأدخلتُ رأسي في الريح.
بدأتُ أُلاحظ النمط ببطء،
كما يُلاحظ المرء أن الغيوم تتجمع دائمًا من الجهة ذاتها قبل المطر.
في اليوم الذي رفضتُ فيه مساعدة أخي،
كانت الوسادة في الليل تحمل رائحة تجعلني أقلّب وجهي بعيدًا.
في اليوم الذي قلتُ فيه لزميلتي شيئًا صحيحًا في مضمونه لكن قاسيًا في صياغته،
وجدتُ الرائحة على زر هاتفي حين ضغطتُه قبل النوم.
برّرتُ. الطقس. الإرهاق. الأنف.
ذهبتُ إلى طبيب وأخبرتُه بصياغة محايدة أنني أشمّ أحيانًا روائح لا يشمّها أحد غيري.
فحصني بعناية وقال: لا شيء.
عُدتُ إلى البيت وفتحتُ الباب وشممتُ المقبض.
مرّ شهر.
صارت الرائحة تسبقني إلى الأشياء.
تنتظرني في الكرسي قبل أن أجلس، في الكوب قبل أن أمسك به.
كأن يدي تخرج من جسدي قبلي وتمشي في الغرفة وتلمس كل شيء وتتركه ممتلئًا بما لا اسم له.
ثم حدث شيء أوقفني.
كنتُ في سوق صغير حين رأيتُ طفل جيراني يجري نحو الشارع.
أمسكتُ بيده وأعدتُه إلى أمه.
في المساء،
حين وضعتُ يدي على مقود السيارة، لم يكن هناك شيء.
هواء فقط.
بدأتُ أُغيّر أشياء صغيرة.
ليس بقرار مُعلَن بل بطريقة تشبه تغيير اتجاه في الطريق دون أن تتوقف.
نبرة أكثر احتمالًا.
صمت بدلًا من كلمة حادة.
حضور بدلًا من غياب.
الأشياء توقفت عن حمل الرائحة.
لاحظتُ التغيير الآخر في اجتماع.
كنتُ أتحدث وزميل جلس قريبًا مني فتح النافذة خلفه دون أن يُعلّق.
لم أُعِر الأمر اهتمامًا. بعدها بأيام،
في مقهى،
جلستُ إلى طاولة وبعد دقائق نقل الشخص الجالس بجانبي كوبه وكتابه إلى طاولة أخرى.
أومأ لي بابتسامة مؤدبة، وجلس هناك.
في الحافلة، المقعد المجاور كان الأخير الذي امتلأ.
في الليل وقفتُ أمام المرآة بعد أن غسلتُ وجهي.
شممتُ المنشفة. لا شيء.
شممتُ يدي. لا شيء.
بقيتُ لحظة أُحدّق في وجهي كما لو أن هناك شيئًا آخر يجب أن يظهر.
في الخارج مرّ رجلان تحت النافذة.
أحدهما توقف قليلًا، رفع ياقة معطفه على أنفه، ثم تابع المشي.
أغلقتُ الضوء وذهبتُ إلى النوم.
في الظلام مددتُ يدي أتحسّس الوسادة.
كانت باردة ونظيفة.
ومع ذلك أبقيتُ وجهي بعيدًا عنها قليلًا.
ِ
سلطان حسيان.




