أعاد الستارة
حياة خلف نافذة مغلقة
وقّع على العقد. أو حاول. كان القلم يزن — حسب تقدير المأذون — ثمانمئة كيلوغرام. استدعوا رافعة من النوع الذي يُستخدم في تحميل الثلاجات، وأسقطوه على الورقة. اخترق الطاولة وغرز نفسه في البلاط. اعتبروا الثقب توقيعًا. صفّق الحاضرون. لم تكن يداه ترتجفان. يداه لم تكونا موجودتين — تركهما على حافة الكرسي قبل أن يدخل القاعة، كما يترك المرء معطفه عند باب مطعم. لكنّ أحدًا لم يُعلّق.
قبلها بأشهر، كان يقف في آخر الشارع الذي تسكنه حنان. النافذة — نافذتها — أُغلقت. ثم انفصلت عن الجدار كما تُنتزع ضرس، وتبعته.
صارت تطفو خلفه بمسافة ذراعين. كلّما التفت إلى شيء — واجهة محلّ، وجه عابر، سماء — انزلقت أمامه وأُغلقت بصوتٍ مهذّب كموظف استقبال يقول: “المدير غير موجود.” لم يحاول تحطيمها. وضع عليها ستارة واعتاد الأمر.
قالوا: “هذه أنسب.” صدّق الكلمة كما يصدّق المريض وصفةً مكتوبة بخطٍّ لا يقرأه أحد — لا الصيدلي، ولا المريض، ولا الطبيب نفسه.
أغلق رقم حنان في درجٍ بجانب سريره. لم يحذفه. في الليلة الأولى، بدأت القصاصة تتنفّس — تنتفخ وتنكمش بإيقاع بطيء كرئة صغيرة. ثم بدأت تبتلع. زرّ قميص. ثم زرّ آخر. ثم أزرار كلّ قمصانه. فتح الدرج ذات صباحٍ فوجد حوافها قد اتسعت إلى سوادٍ دائري عميق. أغلق الدرج. صار يلبس قمصانه مفتوحة ولم يسأل نفسه لماذا.
ليلة الزفاف، كانت هناء تبتسم ابتسامة دقيقة كجدولٍ محاسبي. وهو كان يُفتّش جيب سترته بحثًا عن شيءٍ لم يضعه فيه. أدخل يده. تعمّق الجيب. أدخلها حتى المرفق. شعر بأنّ ذراعه بالكامل قد اختفت. سحبها. ابتسم للمصوّر.
مرّت السنوات كما تتسرّب الفواتير من تحت بابٍ مغلق.
لم يكن مجازًا. كلّ صباح كانت فواتير صغيرة بحجم طوابع البريد تنزلق من شقّ الباب السفلي. فاتورة كهرباء. فاتورة ماء. فاتورة بلا عنوان مكتوب عليها فقط: “مستحقّ.” كنسها أوّلاً. ثم داسها. ثم صار يمشي فوقها حافيًا دون أن يقرأ واحدة.
وهناء، في مكانٍ من تلك السنوات، توقّفت عن الكلام. لم يتذكّر متى بالضبط. تذكّر فقط أنّه ذات صباحٍ ناداها فلم تلتفت. وضع عليها — من باب التجربة — كتابًا. ثبت. وضع كتابًا آخر. بنهاية الشهر، كانت هناء خزانةَ أرفف من خشب الزان بأربعة رفوف وبابٍ زجاجي معتم. من داخل الخشب، كان صوتٌ يردّد أرقام فواتير الكهرباء بإيقاعٍ رتيب كآلة تسجيل في مكتب حكومي.
أمّه زارتهم. جلست. شربت قهوتها. نظرت إلى الخزانة. قالت: “الحمد لله اخترنا لك الصح. خشبها متين.”
حين وُلد فارس، خرج مرتديًا بدلة رمادية وربطة عنق. لم يبكِ. سلّم على الطبيب بيدٍ صغيرة جافة وحازمة، وسأل عن موعد الدوام.
أمسكه أبوه. شعر بدفئه يتسرّب إلى أصابعه الباردة. ظنّ للحظة أنّ شيئًا اكتمل. لكنّ الطفل فتح عينيه، ونظر إلى وجه أبيه، ثم أغمضهما — كمن رأى شيئًا لا يستحق أن يُذكر في التقرير.
كبر فارس. وصار ينظر إلى أبيه بعينين مفتوحتين كعدستَي كاميرا مراقبة. لم يكن ينظر بحبّ أو خوف — كان ينظر بتوثيق.
لاحظ أشياء: أنّ ملامح أبيه كانت تختفي. ليس مجازًا. حرفيًا. اختفت الابتسامة أوّلاً — لا كتعبير، بل كعضو: ذابت الشفتان وصار مكانهما خطّ مستقيم أملس. ثم تلاشت التجاعيد حتى صار الجلد ناعمًا كبلاستيك. بحلول عامه الثاني، كان وجه أبيه سطحًا بيضاوياً أبيض بملمس الورق المقوّى — عينان فقط، وفتحتا أنف، وذلك الخطّ الأملس.
بالأمس سأله: “بابا، ليش وجه أبو خالد فيه أشياء كثيرة ووجهك فاضي؟”
حرّك الأب الخطّ الأملس. ربما كانت ابتسامة. لم يتأكّد أحد.
البيت مرتّب. الأطباق نظيفة. السرير واسعٌ بما يكفي لشخصٍ وخزانة أرفف. الفواتير تنمو على الأرض كعشبٍ أبيض.
وفي الدرج، ما زال الرقم يتنفّس — لكن بإيقاعٍ أبطأ، كرئة حيوانٍ نائمٍ لن يستيقظ. الحفرة حوله اتسعت. ابتلعت الدرج. ثم ابتلعت المنضدة. ذات ليلة سمع صوت خشبٍ ينطحن من غرفة المعيشة — حين دخل وجد زاويةً من الخزانة قد اختفت في الأرض. لم يبقَ من هناء إلا ثلاثة أرفف وصوتٌ يردّد رقمًا واحدًا بلا توقّف.
لم يفعل شيئًا.
والنافذة — نافذة حنان — ما زالت خلف الستارة في الممرّ. في الثالثة صباحًا يسمع طقطقتها الخفيفة وهي تحاول أن تُفتح. ذات ليلة، مشى إلى الممرّ. رفع الستارة. فُتحت النافذة للمرة الأولى.
لم يكن خلفها شيء.
لا شارع. لا سماء. لا حنان. فقط بياضٌ ساكن بلون الورق المقوّى — نفس ملمس وجهه في المرآة.
أعاد الستارة.
ِ
سلطان حسيان .




