معادلة الغياب
رواية قصيرة
١
الساعة السادسة وثلاث عشرة دقيقة. الرقم يضيء على شاشة الميكروويف في زاوية المختبر. رائد يعرف أنّ الوقت الفعلي يتأخّر بثانيتين عن التوقيت المعياري — فرق لا يهمّ أحداً، لكنّه يهمّه.
يبدأ بمعايرة مقياس التداخل. يُدير المسمار الدقيق بإصبعه وإبهامه، ربع دورة، ثمّ يتوقّف. يقرأ الشاشة. يُدير مرّة أخرى. الحلقات الضوئية تتمركز ببطء حتى تستقرّ في دوائر متّسقة. لا أحد يطلب منه هذا كلّ صباح. الجهاز لا يحتاج إلى معايرة يوميّة. لكنّ أصابعه تعرف الطريق إلى المسمار قبل أن يصل إلى مفتاح الإنارة.
المختبر نظيف. أنظف ممّا ينبغي. الأسطح الزجاجيّة تعكس مصابيح الفلورسنت في خطوط مستقيمة لا تنكسر. لا ورقة في غير مكانها. لا كوب قهوة يترك حلقة على سطح العمل. أقلام الرصاص مرصوصة على حافة الطاولة بزوايا قائمة مع الحافة، وحين ينزاح قلمٌ عن موضعه — ولو بملّيمتر — تمتدّ يده لتعيده، حركة سريعة لا يبدو أنّه يُقرّرها.
الطنين الكهربائي خافت ومستمرّ. يملأ الغرفة من كلّ اتّجاه كأنّه صادر من الجدران نفسها. صوت أبيض يسدّ الفراغ الذي قد تتسرّب منه أصوات أخرى — ضحكة من الممرّ، خطوات في الردهة، صوت مطر على النوافذ التي لا نوافذ لها هنا. المختبر في الطابق السفلي. اختاره بنفسه قبل سنتين. قال يومها إنّ الاهتزازات أقلّ تحت مستوى الأرض.
ينتقل إلى الحاسوب. الشاشة تتوهّج بأرقام ومعادلات. يُمرّر السطور دون أن يتوقّف — يعرفها عن ظهر قلب. لكنّ عينيه تقرأ كلّ رقم كأنّها تراه لأوّل مرّة. هذا أيضاً طقس: أن تتأكّد، ثمّ تتأكّد مرّة أخرى، ثمّ تتأكّد أنّك تأكّدت.
على السبّورة البيضاء خلفه، المعادلات مكتوبة بخطّ يده. خطّ واضح، صغير، كلّ حرف مفصول عن الذي يليه بمسافة متساوية. من بعيد تبدو كصفوف من النمل تسير في استقامة مذهلة. من قريب، تبدو كشيء آخر — كمن يحاول أن يملأ مساحة بيضاء كبيرة جدّاً بأيّ شيء له نظام.
الشاشة تنطفئ فجأة وتتحوّل إلى سطح أسود لامع. لثانية، يظهر فيها انعكاس وجهه — ملامح ضبابيّة، ظلّ ذقن لم يحلقها، هالة داكنة تحت العينين. يضغط على المسافة فوراً. الشاشة تعود. الأرقام تعود. الانعكاس يختفي.
٢
الرسالة الأولى من طارق وصلت الساعة العاشرة. سطران على البريد الداخليّ:
“استهلاك الطاقة في مختبرك الشهر الماضي تجاوز ثلاثة أضعاف الحدّ. إدارة المبنى تسأل. أحتاج تفسيراً قبل اجتماع الغد.”
رائد قرأ الرسالة. لم يردّ. أغلق صندوق البريد وعاد إلى صفحة الحسابات.
طارق جاء بنفسه بعد ساعة. وقف عند الباب، يده على الإطار، ينظر إلى الداخل كمن يدخل غرفة مريض. رائد لم يرفع رأسه.
— الطاقة، يا رائد.
— أعرف.
— ثلاثة أضعاف. هذا ليس تجارب اعتيادية. ماذا تشغّل هنا؟
رائد أشار إلى الشاشة دون أن ينظر إليه. — أحاول عزل المتغيّر المستقلّ. إذا تمكّنت من عزله، يمكنني إعادة معايرة النظام بأكمله.
طارق دخل خطوتين. نظر إلى السبّورة. نظر إلى الأجهزة المصطفّة على الطاولة الطويلة — مولّدات نبضيّة، مكثّفات، لوحات دوائر مترابطة بأسلاك رفيعة كخيوط عنكبوت دقيقة.
— بعض الأنظمة تنهار إذا حاولتَ عزل متغيّراتها. مصمّمة لتعمل معاً. حتى لو كان ذلك يعني الفوضى.
— الفوضى ليست نظاماً. الفوضى هي نظام لم نكتشف معادلاته بعد.
طارق أراد أن يقول شيئاً. فتح فمه، ثمّ أغلقه. نظر إلى ظهر رائد المنحني على الشاشة. الياقة البيضاء لمعطف المختبر بدت مائلة على الكتف الأيسر — تفصيلة صغيرة كان رائد القديم سيصلحها فوراً.
— سأكتب تقريراً يغطّي الشهر الحالي. لكنّ الذي بعده لن أستطيع.
رائد لم يجب. طارق وقف هناك ثانية أخرى، ثمّ تراجع. صوت خطواته ابتعد في الممرّ. الباب لم يُغلق تماماً — بقيت فجوة بعرض إصبعين. رائد نهض وأغلقه حتى سمع صوت النقرة.
٣
المرسم كان في الغرفة الخلفيّة. غرفة صغيرة بنافذة واحدة واسعة تطلّ على الشارع. لينا كانت تفتح النافذة حتى في الشتاء. كانت تقول إنّ الهواء البارد يجعل الألوان أصدق.
رائحة التربنتين. ليست الرائحة الكيميائيّة الحادّة التي يعرفها من المختبر — بل رائحة أخرى، ممزوجة بالقهوة الباردة وشيء ثالث لم يستطع تحديده قطّ. ربّما الخشب. ربّما القماش المشدود على الإطارات. ربّما هي فقط.
المرسم لا يزال كما تركته. لم يدخله منذ أشهر، لكنّه يمرّ أمام بابه كلّ يوم. الباب مغلق الآن. أغلقه بنفسه بعد أسبوع من الجنازة. لينا كانت تتركه موارباً دائماً. كانت تقول إنّ الأبواب المغلقة تخنق تدفّق الهواء والأفكار. كان يضحك من ذلك. لم يكن يدري أنّه سيقضي ما تبقّى من حياته يغلق كلّ باب يمرّ به.
الذكرى تأتي بلا استئذان، كتيّار هواء من شقّ لم يُحكم إغلاقه.
كانت تقف أمام لوحة كبيرة غير مكتملة. ألوان دافئة — أحمر مطفأ، برتقاليّ معتّق، خطوط بنّية سائلة. في الزاوية اليسرى، مساحة فارغة. قماش أبيض لم يمسّه شيء.
— لماذا لا تكملين الزاوية؟
— لأنّها تتنفّس هكذا. إذا أغلقتُ كلّ الزوايا، سيموت الضوء داخل الإطار.
كان ينظر إلى الفراغ كأنّه خلل. هي كانت تنظر إليه كأنّه الجزء الأهمّ.
— أنت تخاف من المساحات المفتوحة، أليس كذلك؟
رفع حاجبه. لم يجب. عادت هي إلى فرشاتها، تمسحها بقماشة ملطّخة بألوان قديمة. على إطار نافذة المطبخ، بقعة صغيرة من الطلاء الأزرق — أولترامارين — تركتها ذات يوم ونسيتها. لا تزال هناك. يمرّ بجانبها كلّ صباح. يدهُ لا تمتدّ لتمسحها، ولا عيناه تبتعدان عنها بسرعة كافية.
٤
على الشاشة، تقرير الشرطة مفتوح للمرّة التي توقّف عن عدّها. رائد لا يقرأه كزوج. يقرأه كمن يبحث عن عطل في دارة كهربائيّة.
الحادث وقع الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة بعد الظهر. يوم الثلاثاء. الرابع من نوفمبر. درجة الحرارة أربع عشرة درجة مئويّة. رطوبة اثنان وستّون في المئة. الطريق الإقليمي رقم سبعة، الكيلومتر الثامن والعشرون. منعطف بزاوية أربعين درجة. اتّجاه شمال-شمال شرق. سرعة الرياح ثمانية عشر كيلومتراً في الساعة، هبّات متقطّعة من الغرب.
فتح خريطة الطقس لذلك اليوم. طبقات الغيوم. اتّجاه الهبوب. الضغط الجوّي ساعة بساعة. على شاشة ثانية، فتح نموذجاً ثلاثيّ الأبعاد للمنعطف — أنشأه بنفسه من بيانات المسح الطبوغرافي. ميل الطريق. معامل الاحتكاك للأسفلت في ظروف جفاف جزئيّ. نصف قطر الانحناء.
كلّ متغيّر له رقم. كلّ رقم يمكن تغييره.
سحب تقرير المحقّق كمال — صفحتان بخطّ آلة كاتبة قديمة، لغة جافّة بلا صفات. “السيّارة انحرفت عن المسار عند الكيلومتر ٢٨. علامات الفرملة تمتدّ أحد عشر متراً. الاصطدام وقع بالحاجز الإسمنتيّ على الجانب الأيمن. زاوية الاصطدام تقارب خمساً وثلاثين درجة.”
أحد عشر متراً. فرملة متأخّرة بثانية ونصف، ربّما ثانيتين. لو ضغطت على الفرامل قبل ذلك بثانية واحدة، لكانت المسافة كافية. ثانية واحدة. سبعة وعشرون متراً بالسرعة المقدّرة. لو لم تكن على هذا الطريق أصلاً —
أصابعه تتحرّك على لوحة المفاتيح. يكتب أرقاماً في نموذج المحاكاة. يغيّر متغيّراً واحداً: السرعة. يشغّل المحاكاة. النتيجة تتغيّر. يغيّر متغيّراً آخر: زاوية الدخول. يشغّل المحاكاة. النتيجة تتغيّر مرّة أخرى. كلّ تعديل صغير يفتح مساراً بديلاً — خطّ منقّط على الشاشة يتفادى الحاجز بسنتيمترات، أو يتّجه إلى الكتف الترابيّ حيث السرعة تتبدّد في الرمل.
على الشاشة، عشرات المسارات البديلة. خطوط ملوّنة تتشعّب من نقطة واحدة كجذور شجرة مقلوبة. في كلّ مسار، لينا تعيش. في المسار الوحيد الذي وقع فعلاً — الخطّ الأحمر المستقيم الذي ينتهي بنقطة سوداء — لينا لا تعيش.
أغلق النموذج. أطفأ الشاشة الثانية. ظلام. ثمّ فتح ملفّاً آخر، ملفّ ليس له عنوان، يبدأ بالكلمات: “المعادلات الأوّلية — النموذج الثالث عشر.”
٥
نادية اتّصلت مرّتين قبل أن تأتي. لم يردّ. وجدها على العتبة حين عاد من المختبر. كانت تحمل كيساً بلاستيكيّاً فيه طعام.
— حاولت الاتّصال.
— كنتُ أعمل.
دخلت. وقفت في المدخل تنظر. البيت مرتّب بشكل صارم. الأحذية مصطفّة عند الباب. المعاطف معلّقة بترتيب اللون. كتب الرفّ مرتّبة بحسب الحجم — ليس بحسب الموضوع، بل بحسب الحجم. سألته مرّة عن ذلك، فقال إنّ الترتيب بحسب الحجم هو الترتيب الوحيد الذي لا يحتمل التأويل.
وضعت الكيس في المطبخ. فتحت الثلّاجة. رفوف شبه فارغة: حليب، بيض، علبة زبدة مغلقة. كلّ شيء في مكانه لكنّ الكمّيات تقول إنّ شخصاً واحداً يأكل هنا، ولا يأكل كثيراً.
عادت إلى الصالة. رائد كان يقف عند النافذة، يُديرها ظهره. لاحظت أنّ باب المرسم مغلق. كلّ الأبواب مغلقة. حتّى باب الحمّام في نهاية الممرّ.
— هل تنام جيّداً يا رائد؟
لم يلتفت. أصابعه تعدّل حافة الستارة — تسوية دقيقة، خطّ مستقيم.
— معدّل ضربات قلبي مستقرّ، ومستويات الميلاتونين ضمن النطاق الطبيعي. الجسد يعمل بكفاءة.
جلست على الأريكة. نظرت إلى الطاولة أمامها. كتابان. جهاز تحكّم عن بعد. كلّها مرتّبة بتناظر مثاليّ — الكتابان على مسافة واحدة من حافّتي الطاولة، وجهاز التحكّم بينهما تماماً.
— لينا كانت ستكره هذا الترتيب.
صمت. الستارة بين أصابعه توقّفت عن الحركة.
— لينا كانت ستحرّك كلّ شيء من مكانه في ثانيتين.
التفت إليها. للحظة بدا وجهه كأنّ شيئاً تحرّك خلف الزجاج — ارتجاجة سريعة، تصدّع لم يصل إلى السطح. ثمّ عاد. المستقيم عاد.
— هل تريدين شاياً؟
نادية نظرت إليه. إلى البقعة الزرقاء على إطار نافذة المطبخ خلفه. ثمّ وقفت.
— لا. أنا ذاهبة.
عند الباب، استدارت. — هي ليست متغيّراً في معادلة، يا رائد. كانت أختي.
أغلقت الباب خلفها. رائد وقف في مكانه. ثمّ مدّ يده وأدار القفل. نقرة. ثمّ نقرة ثانية. تأكّد أنّه مقفل.
٦
الآلة لم تبدُ كآلة.
لم يكن فيها شيء يلمع أو يدور أو يُصدر صوتاً مسرحيّاً. كانت تشبه طاولة مختبر عاديّة صارت أكثر تعقيداً ممّا ينبغي — لوحات دوائر مطبوعة متراصّة في صفوف، مكثّفات أسطوانيّة بأحجام مختلفة، كابلات متشابكة تخرج من صندوق معدنيّ رماديّ وتدخل في صندوق آخر. على الجانب، حاسوب قديم بشاشة صغيرة يعرض منحنيات متذبذبة. في الوسط، ملفّ مغناطيسيّ ملفوف بدقّة على أسطوانة نحاسيّة بحجم كوب القهوة.
استغرق بناؤها أربعة عشر شهراً. لم يُخبر أحداً. الأجزاء طلبها من مورّدين مختلفين — بعضها من مخازن الجامعة، وبعضها من مواقع إلكترونيّة تبيع قطع إلكترونيّة صناعيّة. لم يطلب قطعة واحدة تلفت الانتباه. كلّ قطعة بمفردها عاديّة. مجتمعة، تفعل شيئاً لم يفعله أحد.
الحسابات النظريّة كانت تقول إنّ الشيء ممكن — ضمن نافذة زمنيّة ضيّقة جدّاً، وبطاقة هائلة، وبشرط أن يكون المُرسَل بسيطاً إلى حدّ الصفر تقريباً. ليس جسماً مادّياً. ليس صوتاً. بل نبضة كهرومغناطيسيّة مُرمّزة، قادرة على التفاعل مع جهاز استقبال موجود مسبقاً في النقطة الزمنيّة المستهدفة.
هاتفها.
كان لا يزال يعمل في ذلك اليوم. الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة، كانت تقود وهاتفها في حقيبتها على المقعد المجاور. الرقم لا يزال محفوظاً في ذاكرته. يمكن إرسال رسالة نصّية واحدة. جملة واحدة. ربّما جملتين قصيرتين. لا أكثر. الطاقة تكفي لمحاولة واحدة.
جلس أمام الآلة. شاشة الحاسوب الصغيرة تعرض حقل إدخال فارغاً. مؤشّر يرمش.
بدأ يكتب.
“لينا، لا تسلكي الطريق الإقليمي اليوم. سأشرح لاحقاً. رائد.”
حدّق في الكلمات. ثمّ مسحها.
كتب: “خطر على الطريق ٧. اسلكي الطريق الرئيسي.”
حدّق. مسح.
“تجنّبي الطريق الإقليمي اليوم. مهمّ جدّاً.”
ستسأل لماذا. ستعتقد أنّه يبالغ. قد تضحك. قد تتجاهل الرسالة لأنّها رسالة من رائد القلِق الذي يحسب كلّ شيء — ورائد القلِق يرسل تحذيرات كثيرة. كان يرسل لها رسائل حين تهطل الأمطار. كانت تردّ بوجه مبتسم وتسلك طريقها المعتاد.
يجب أن تكون الرسالة خالية من العاطفة. دقيقة. مباشرة. شيء لا يحتمل التأويل.
كتب: “حادث مروري على الإقليمي ٧ — الكيلومتر ٢٨. الطريق مغلق. استخدمي طريق النهر.”
كذبة دقيقة. معلومة كاذبة بصيغة حقيقة. لن تسأل. ستغيّر مسارها.
ترك الكلمات على الشاشة. وقف. مشى ثلاث خطوات. عاد. قرأها مرّة أخرى. كلّ كلمة كأنّها حجر على ميزان — ثقلها يتجاوز حروفها.
“طريق النهر.”
توقّف عند هذين اللفظين. شيء فيهما لم يستطع تسميته. ثقل خافت، كظلّ يعبر خلف زجاج معتم. ثمّ زال. تجاهله. عاد إلى الكرسيّ.
٧
اليوم المحدّد. الساعة الثانية والنصف بعد الظهر. سبع وأربعون دقيقة قبل الموعد.
المختبر أبرد من المعتاد. المكثّفات تسحب الطاقة من كلّ مصدر متاح — الإنارة تراجعت إلى توهّج خافت، والشاشات ترمش بتذبذبات دقيقة كأنّها تتردّد بين الاشتعال والانطفاء.
رائد جالس أمام الآلة. يداه على ركبتيه. الرسالة على الشاشة جاهزة. الإحداثيّات الزمنيّة محسوبة حتّى الميلي ثانية. التردّد مُعاير. كلّ شيء مكانه.
في الدقائق الأخيرة، أصوات لينا بدأت تتسرّب. ليست ذكريات بالمعنى المنظّم — بل شظايا. صوتها وهي تنادي من المطبخ. طريقة لفظها لاسمه — الراء مرتفعة قليلاً، كأنّها تطرح سؤالاً. ضحكتها حين كان يشرح لها نظريّة ميكانيكا الكمّ وهي تنقل خطوطاً على القماش. “أنت تتكلّم كأنّ الكون يستمع.” الفرشاة تترك خطّاً مائلاً عبر اللوحة. التربنتين. القهوة الباردة.
ضغط الزرّ.
لا انفجار. لا وميض. فقط انخفاض مفاجئ في درجة حرارة الغرفة — تراجع محسوس، كأنّ شخصاً فتح باباً على شتاء. صوت تفريغ شحنة كهربائيّة: فرقعة جافّة سريعة تبعها صمت أعمق من الذي سبقه. المكثّفات أفرغت حمولتها دفعة واحدة. مصابيح الفلورسنت انطفأت لحظة ثمّ عادت بترنّح، أضعف ممّا كانت. على الشاشة الصغيرة، المنحنيات المتذبذبة انهارت إلى خطّ مستقيم ثمّ بدأت تعود ببطء.
الرسالة أُرسلت. أو هذا ما تقوله القراءات.
وبدأ الانتظار.
٨
الانتظار ليس فراغاً. الانتظار مادّة لها كثافة.
رائد لم يتحرّك من كرسيّه. عيناه على ساعة الحائط المعلّقة فوق باب المختبر. الساعة الثالثة إلّا ربعاً. عقرب الثواني يقطع الوجه البيضاء بحركات متشنّجة — كلّ حركة تبدو أطول من التي سبقتها، كأنّ العقرب يتردّد قبل أن يقفز إلى الثانية التالية.
الهواء في الغرفة لم يعد إلى حرارته. البرد باقٍ. بارد جافّ يلتصق بالجلد كطبقة رقيقة غير مرئيّة. يداه على ركبتيه لم تتحرّكا. أصابعه ساكنة — وهذا بحدّ ذاته غير عاديّ. أصابعه دائماً تفعل شيئاً: تعدّل قلماً، تضغط على مفتاح، تتبع حافّة. لكنّها الآن ساكنة كأنّها تنتظر هي أيضاً.
الثالثة. الثالثة وخمس دقائق. الثالثة وعشر.
ماذا كان يتوقّع أن يحدث؟ أن تتغيّر الغرفة فجأة؟ أن تتبدّل الجدران؟ أن تتشكّل في رأسه ذكريات جديدة — ذكريات لم تكن موجودة قبل دقيقة — ذكريات فيها لينا حيّة، تدخل البيت مساءً، تترك حقيبتها على الكرسيّ وحذاءها في غير مكانه وتفتح باب المرسم على مصراعيه؟
الثالثة وسبع عشرة دقيقة. اللحظة التي كان ينبغي أن يحدث فيها الحادث.
لم يتغيّر شيء. الجدران كما هي. الأجهزة كما هي. يداه كما هي. لكنّ شيئاً ما في الهواء بدا مختلفاً — ليس تغيّراً ماديّاً بل إحساس بأنّ شيئاً انزاح في مكان لا يمكن تسميته. كتحويلة في مجرى ماء تحت الأرض. لم يسمعها لكنّه أحسّ بها في أسفل عموده الفقريّ.
نهض. ببطء. كأنّ الكرسيّ لا يريد أن يتركه.
٩
الحاسوب الرئيسيّ. فتح متصفّح الإنترنت. يداه ترتجفان الآن — ارتجاف دقيق، بالكاد مرئيّ، لكنّه يعرفه. ليس خوفاً. ليس برداً. شيء أعمق، شيء لا اسم له في قاموس الأعراض الجسديّة.
كتب اسمها في محرّك البحث.
النتائج تغيّرت. كان يعرف النتائج القديمة عن ظهر قلب — خبر الحادث في الصحيفة المحلّية، ثلاثة أسطر في صفحة الحوادث. “حادث سير مميت على الطريق الإقليمي رقم ٧.” كان يقرأ تلك الأسطر الثلاثة كلّ أسبوع. يعرف كلّ كلمة وكلّ فاصلة.
الآن، الخبر اختلف.
الكلمات الأولى ضربته قبل أن يقرأ الباقي. عيناه التقطت ثلاث كلمات وتوقّفت: “غرق” و”نهر” و”لينا.”
أكمل القراءة ببطء. كلّ كلمة تدخل كأنّها تمرّ عبر سائل كثيف.
“في حادث مأساويّ يوم الثلاثاء، الرابع من نوفمبر، عُثر على جثّة السيّدة لينا [...] في نهر [...] بعد انحراف سيّارتها عن طريق النهر المحاذي. تشير التحقيقات الأوّلية إلى أنّ السائقة غيّرت مسارها المعتاد لأسباب غير محدّدة، وأنّ السيّارة اجتازت الحاجز الترابيّ على جانب الطريق قبل أن تسقط في المجرى المائيّ. وفاة بالغرق. الساعة المقدّرة: الثالثة وأربع وعشرون دقيقة بعد الظهر.”
الثالثة وأربع وعشرون. سبع دقائق بعد الموعد الأصلي.
قرأ مرّة أخرى. الكلمات لم تتغيّر.
غيّرت مسارها. سلكت طريق النهر. كما قال لها. بالضبط كما قال لها. لم تسلك الطريق الإقليمي. لم تصطدم بالحاجز الإسمنتي عند الكيلومتر الثامن والعشرين. فعلت ما طلبه منها بالحرف. وماتت.
الحادث العنيف — المعدن والأسفلت والزوايا الحادّة — تحوّل إلى شيء آخر. الماء. النهر. الغرق.
الموت الذي ظنّ أنّه يستطيع حسابه والتحكّم فيه — موت الاصطدام، موت المتغيّرات القابلة للقياس: السرعة والزاوية ومعامل الاحتكاك — استُبدل بموت لا زوايا له. الماء لا يصطدم. الماء يبتلع.
جلس. لم يختَر أن يجلس — ساقاه انثنتا والكرسيّ كان هناك. الشاشة أمامه لا تزال تعرض الخبر. مؤشّر الفأرة يرمش في نهاية السطر الأخير.
ثمّ تذكّر شيئاً. جملة. صوتها. كانت تنظر إلى المطر من النافذة، قبل الحادث بأيّام. وقالت — لم تقلها له بالضبط، بل قالتها للمطر أو للزجاج أو للهواء بينهما:
“الماء يجد طريقه دائماً. مهما حاولتَ توجيهه.”
١٠
مرّت ساعات. أو ربّما لم تمرّ. الفلورسنت عاد إلى قوّته الكاملة. الأجهزة أصدرت طنينها المعتاد. الحرارة ارتفعت تدريجيّاً إلى مستواها الطبيعيّ. كلّ شيء عاد. كلّ شيء إلّا ما كان ينبغي أن يعود.
رائد جالس أمام السبّورة البيضاء. المعادلات لا تزال مكتوبة عليها بخطّه الدقيق. لم يتغيّر فيها حرف. المعادلات صحيحة. كلّ خطوة تتبع التي قبلها بمنطق لا تشوبه ثغرة. الآلة عملت. الرسالة وصلت. لينا استجابت. المسار تغيّر. كلّ ما خطّط له تحقّق.
والنتيجة واحدة.
نظر إلى المعادلات. ثمّ نظر إلى الآلة على الطاولة. المكثّفات فارغة. الأسلاك ساكنة. الشاشة الصغيرة تعرض خطّاً مستقيماً لا يرتجف — نبض مسطّح لآلة أدّت ما طُلب منها وتوقّفت.
الضوء الأبيض يسقط على كلّ شيء بالتساوي. لا ظلال في هذا المختبر. لا زوايا معتمة. كلّ شيء مرئيّ. كلّ شيء واضح. وهذا الوضوح بالذات هو الذي لا يُطاق الآن.
هو لم يفشل في إنقاذها. هو أعاد ترتيب الطريقة التي تموت بها. حوّل موتها من مشهد عنيف يمكن للعقل أن يحلّله ويفكّكه ويعيد بناءه في محاكاة ثلاثيّة الأبعاد — إلى استسلام هادئ لا يمكن حسابه. الأسفلت صار ماءً. الحاجز الإسمنتي صار نهراً. ما كان صاخباً ومكسوراً وقابلاً للفهم، تحوّل إلى شيء صامت وكامل ومستحيل القياس.
وتدخّله هو — رسالته، حساباته، أربعة عشر شهراً من البناء — لم يكن فعل إنقاذ. كان فعل إعادة توزيع. كانت يده هي التي وجّهتها إلى طريق النهر.
وقف ببطء. مشى إلى السبّورة. أمسك القلم. رفع يده كأنّه سيكتب شيئاً — إضافة، تعديل، حاشية. ثمّ توقّف. اليد معلّقة في الهواء. القلم يلمس السطح الأبيض دون أن يترك أثراً.
لا توجد معادلة لهذا.
ليست المشكلة أنّ الرياضيّات فشلت. المشكلة أنّها نجحت — وأنّ النجاح لا يعني شيئاً. المعادلات صحيحة والكون لا يبالي. الآلة تعمل والنتيجة واحدة. التدخّل ممكن والفقدان ثابت. كأنّ هناك ثابتاً كونيّاً لم يكن يعلم بوجوده — ثابت لا يظهر في أيّ نموذج فيزيائيّ، ثابت مفاده أنّ بعض الأشياء لا تقبل التصحيح. لا لأنّها عصيّة على الفهم، بل لأنّها ليست خطأً أصلاً.
أنزل يده. وضع القلم على الحافّة. بزاوية قائمة مع الحافّة. عادة. ثمّ التفت ونظر إلى ما حوله كأنّه يرى المختبر لأوّل مرّة.
أجهزة. شاشات. معادلات. أقلام مرصوصة. أسلاك. أضواء بيضاء. طنين كهربائيّ لا يتوقّف.
كلّ شيء في مكانه. والمكان ليس فيه أحد.
١١
في وقتٍ ما من الليل، فتح باب المرسم.
لم يكن قراراً. كانت يده على المقبض قبل أن يعرف أنّ قدميه حملتاه إلى هنا. فتح الباب ودخل.
الظلام أوّلاً. ظلام مختلف عن ظلام المختبر. هنا الظلام فيه طبقات — أشكال ضبابيّة، حوامل خشبيّة واقفة كأشخاص ساهرين، لوحات مسندة إلى الجدران بأحجام مختلفة. رائحة التربنتين باهتة لكنّها لا تزال هنا، متشبّثة بالخشب والقماش كأنّها رفضت أن تتبخّر.
لم يُشعل الضوء.
وقف في الوسط. عيناه تتكيّفان ببطء. اللوحة الكبيرة غير المكتملة لا تزال على حاملها. في الزاوية اليسرى، المساحة الفارغة التي لم تملأها. بياض بدا في الظلام رماديّاً ناعماً، مضيئاً من الداخل بضوء لا مصدر له.
جلس على الأرض. الأرضيّة الخشبيّة باردة تحته. بقع طلاء قديمة جفّت على الألواح — نقاط ملوّنة متناثرة بلا نظام. هي لم تكن تكترث لهذه البقع. كانت تقول إنّ أرضيّة المرسم هي لوحة ثانية لم يقصدها أحد.
نظر إلى اللوحة في الظلام. إلى الفراغ الأبيض الذي كان يراه خللاً.
“لأنّها تتنفّس هكذا.”
الآلة في المختبر تحته لا تزال تعمل. الطنين يصل عبر الأرضيّة الخشبيّة — اهتزاز خفيّ يحسّه في عظام حوضه أكثر ممّا يسمعه. المعادلات على السبّورة لا تزال صحيحة. ستبقى صحيحة غداً وبعد غد وإلى الأبد. والنتيجة ستبقى واحدة.
الهواء في المرسم ساكن. ليس هناك نافذة مفتوحة ولا باب موارب. كلّ شيء مغلق. لكنّ الرائحة هنا. والبقع هنا. والفراغ الأبيض في زاوية اللوحة هنا.
رائد لم يتحرّك. جلس في ظلام المرسم، ظهره إلى الجدار، وجهه إلى اللوحة التي لن تكتمل.
والباب خلفه — لأوّل مرّة منذ أشهر — ظلّ مفتوحاً.
َ





ماشاءالله تبارك الله، رائعة جدا جدا 👏🏻
التحول في الأحداث مبهر، منعها من طريق والنتيجة واحدة، أظن أن ما يحدث بسبب أنه كان سبب أساسي لتغيير طريقها