الخلاص بالانكسار
لماذا الضعف هو الشيء الوحيد الحقيقي فينا
كنتُ واقفًا في الزاوية المظلمة من المقهى حين رأيتها. امرأة عجوز، منحنية كسنبلة قمح أثقلها الحصاد، تدفع بابًا زجاجيًا ضخمًا بكلتا يديها المرتجفتين. الباب لم يتزحزح. حاولت مرة أخرى. ثم ثالثة. كان الناس يمرون بجانبها كأنها شبح، كأنها لم تكن موجودة أصلًا. وأنا؟ أنا كنت أراقب، مشلولًا بذلك النوع من الخزي الذي لا تعرف مصدره بالضبط، لكنك تشعر به يتسلل في عروقك كسمّ بطيء.
لماذا لم أتحرك فورًا؟ لماذا انتظرت تلك الثواني الثلاث أو الأربع التي بدت كدهور؟ ربما لأنني كنت أفكر، كما اعتدت دائمًا أن أفعل، أن هناك من هو أولى بالفعل. أن ضعفي الخاص يعفيني من مسؤولية القوة. أن العالم يحتاج أبطالًا، وأنا لست واحدًا منهم.
ثم فعلتها. نهضتُ، فتحتُ لها الباب، قالت “الله يبارك فيك يا ولدي”، ومضت. هذا كل شيء. لا موسيقى تصويرية، لا تحول درامي في مسار الكون. لكن شيئًا ما حدث. شيء لا أعرف كيف أصفه إلا بأنه شرخ صغير في جدار اللامبالاة الذي بنيته حول نفسي طوال سنوات.
دوستويفسكي كان يفهم هذا. كان يعرف أن الخلاص لا يأتي من الأفعال العظيمة، بل من تلك اللحظات الصغيرة التي نختار فيها ألا نكون وحوشًا. راسكولينكوف لم يخلص بفلسفته عن “الرجل الأعلى”، بل بلحظة ضعف إنساني خالص حين انحنى وقبّل الأرض. كان ضعيفًا في تلك اللحظة، مهزومًا، محطمًا، وكان هذا بالضبط ما جعله إنسانًا.
نحن نعيش في وهم القوة. نُعلّم أطفالنا أن يكونوا أقوياء، صلبين، لا يُقهرون. نمجّد الأبطال والقادة والعباقرة. لكننا ننسى أن أكثر لحظات التاريخ حسمًا لم تصنعها القوة، بل الضعف الذي رفض أن يستسلم لمنطقه الخاص.
غاندي لم يكن محاربًا. كان رجلًا نحيلًا في إزار أبيض. مانديلا قضى 27 عامًا في زنزانة. مارتن لوثر كينغ كان قسًا أسود في بلد يعتبر لون بشرته جريمة. كانوا جميعًا ضعفاء بكل المقاييس العملية. لكن ضعفهم هذا بالذات هو ما جعل قوتهم مستحيلة المقاومة. لأنهم لم يكونوا يقاتلون من موقع القوة، بل من موقع الحق. والحق، كما تعلمت، لا يحتاج إلى عضلات.
أفكر في الفراشة. تلك المخلوقة التي تعيش أيامًا قليلة، هشة لدرجة أن نسمة هواء قد تقتلها. لكن ماذا لو أخبرتك أن رفرفة جناحيها في طوكيو قد تتسبب في إعصار في نيويورك؟ هذا ليس شعرًا، إنه علم. “تأثير الفراشة” يسمونه. فكرة أن أصغر فعل، أتفه حركة، قد تغير كل شيء.
لكننا لا نعيش هكذا. نحن نعيش كأن أفعالنا الصغيرة لا تعني شيئًا. كأن اللطف مع النادل، الابتسامة للغريب، الاعتذار الصادق، الاعتراف بالخطأ، كل هذه الأشياء الصغيرة التي تجعلنا ضعفاء بمقاييس العالم، لا قيمة لها. نؤجل الخير إلى يوم نملك فيه القوة الكافية لفعل شيء “كبير”. ويمر العمر، ولا نفعل شيئًا.
كافكا عاش هذا الضعف بطريقة مختلفة. كان يعرف أن النظام يسحقنا، أن الآلة أكبر منا، أن الكابوس منطقي ونحن الشذوذ فيه. غريغور سامسا استيقظ حشرة عملاقة، لكن الكارثة الحقيقية لم تكن في تحوله، بل في أن أحدًا لم يسأله: “كيف حدث هذا؟ كيف تشعر؟ ماذا نستطيع أن نفعل؟” الجميع كان مشغولًا بكيفية التعامل مع المشكلة، لا مع المعاناة. وهذا بالضبط ما نفعله بضعفنا. نحاول أن نخفيه، نديره، نتجاوزه، بدلًا من أن نسأل: ماذا لو كان هذا الضعف هو الشيء الوحيد الحقيقي فينا؟
أنا لست قويًا. لم أكن يومًا. أخاف من أشياء سخيفة: من رنة الهاتف في الليل، من نظرة استنكار، من صمت يطول أكثر مما ينبغي في حوار. أؤجل مكالمات صعبة لأسابيع. أكذب أحيانًا لأتجنب مواجهة. أشعر بالشلل أمام قرارات بسيطة. هذا أنا. ضعيف، مشتت، خائف في أغلب الأوقات.
لكنني تعلمت شيئًا. تعلمت أن هذا الضعف ليس عدوي. إنه ما يجعلني أرى ضعف الآخرين. ما يجعلني أفتح الباب للعجوز المرتجفة. ما يجعلني أتوقف حين أرى طفلًا تائهًا. ما يجعلني أعتذر حين أخطئ، لا لأنني نبيل، بل لأنني أعرف كيف يؤلم الخطأ من الداخل.
نيتشه كان يصرخ: “ما لا يقتلك يجعلك أقوى”. لكن نيتشه نفسه قضى سنواته الأخيرة في الجنون، يبكي على حصان يُجلد في الشارع. ربما اكتشف في النهاية أن القوة لم تكن الإجابة. ربما فهم، في تلك اللحظة الأخيرة من الوعي، أن الرحمة ليست ضعفًا، بل الشيء الوحيد الذي يجعلنا نستحق أن نكون أقوياء.
الضعف ليس غياب القوة. إنه حضور الإنسانية. حين تعترف بأنك لا تعرف، بأنك تحتاج، بأنك تخاف، بأنك تشتاق، بأنك تنكسر أحيانًا، أنت لا تسقط. أنت فقط تتوقف عن التظاهر. والتظاهر، كما أخبرني الزمن، هو السجن الحقيقي.
أفكر الآن في كل تلك اللحظات التي ظننت فيها أنني ضعيف لأنني اخترت اللطف على الحزم، الصمت على الرد، المغادرة على المعركة. كنت أعتقد أنني أهرب. لكنني الآن أعرف أنني كنت فقط أرفض أن أصبح ما يريدني العالم أن أكونه: آلة لا تشعر، محاربًا لا يتعب، قاسيًا لأن القسوة تُحترم.
لكن ماذا لو كان هذا خطأ كله؟ ماذا لو كان الضعف ليس ما نحتاج أن نتجاوزه، بل ما نحتاج أن نحتضنه؟ ماذا لو كانت قوتنا الحقيقية تكمن بالضبط في قدرتنا على أن نكون هشين، منكسرين، ضائعين، ومع ذلك نختار الاستمرار؟
الفراشة لا تعرف أن رفرفة جناحيها قد تُحدث إعصارًا. إنها ترفرف فقط لأن هذا ما تفعله الفراشات. وأنا، وأنت، نحن نفعل ما نفعله لأن هذا ما نستطيعه. نفتح بابًا، نقول كلمة طيبة، نمسك يدًا مرتجفة. ولا نعرف أبدًا ماذا قد يعني هذا لشخص ما. لا نعرف أي إعصار من الخير قد نطلقه في حياة لا نراها.
في النهاية، ربما لا يتعلق الأمر بتغيير العالم. ربما يتعلق فقط بالبقاء إنسانًا في عالم يريدك أن تكون شيئًا آخر. حشرة في آلة، رقمًا في إحصائية، صورة على شاشة. لكنك تختار، في لحظة صغيرة، أن تكون شخصًا حقيقيًا لشخص حقيقي. وهذا، ربما، هو كل ما نملكه. وربما، هو كل ما نحتاجه.
لأنه حتى أضعف الكائنات، حين تختار أن تكون ما هي عليه بصدق، يمكن أن تُحدث شرخًا في الجدار. والشروخ، مهما كانت صغيرة، هي كيف يدخل النور.
By : Sultan Husayyan


