ما تبقّى على الكرسي
عن الجسد الذي نخلعه كل ليلة
رائحة الصوف الرطب تسبقه إلى وعيي.
المعطف الرماديّ ملقى على طرف الكرسي منذ البارحة. ليس معلقاً، بل متكوّم بطريقة تشبه الانهيار — كأن جسداً تخلّت عنه إرادته فسقط هناك.
الأكتاف لا تزال محنية، والياقة مفتوحة كفم أراد أن يقول شيئاً ثم تراجع، والكمّ الأيسر يتدلى نحو الأرض، يشير إلى نقطة لا يوجد فيها شيء.
أراقبه من حافة السرير.
كم يبدو الأمر غريباً حين تحتفظ الأشياء بشكلنا بعد أن نغادرها. انحناءة ظهري محفورة في الصوف، وتعب كتفيّ مطبوع في الخط الهابط للقماش. أرى — وهذا ما يقلقني — أرى “أنا” معلّقة هناك بدوني.
رائحة الخارج حين يدخل عنوةً إلى الداخل. عوادم السيارات، المطر القديم، وشيء آخر لا أعرف اسمه — ربما رائحة القلق حين يختلط بعرق بارد.
في الشارع، وأنا أرتديه، أصير شخصاً محدداً.
لي حدود. لي هيئة.
المعطف يخبئ الارتجاف الذي يسكن صدري، يداري انكماش المعدة، يرسم خطاً حول الفراغ الذي أسكنه ويقول للعالم: هذا كائن متماسك. الناس يحيّون هذا التماسك المفترض، يفسحون الطريق للقصّة المستقيمة للكتفين، يعاملون الصوف كأنه قيمة أخلاقية، بينما ما تحته مجرد ارتجاف.
لا يعرفون أن تحته شيئاً رخواً يبحث عن شكل.
لكن هنا، حين ينزاح الثقل عن الكتفين—
ماذا يبقى؟
ألمس ذراعي العارية.
الجلد بارد.
والمسافة بيني وبين ذلك “الشخص” الذي كنته قبل ساعات تبدو شاسعة.
أيهما أنا؟
هذا الممدد الآن بلا ملامح واضحة؟
أم ذاك الذي كان يمشي في البرد كأنه يعرف وجهته؟
الكرسي يعرف شيئاً لا أعرفه.
يعرف أن ما أسمّيه “ذاتي” قابل للخلع كل ليلة.
يعرف أنني أنزع حدودي وأتركها معلّقة.
الضوء الشحيح يتسلل من النافذة، يزحف على الأرضية حتى يصل إلى طرف الكمّ المتدلي.
الغبار يرقص في الشعاع الباهت. ذرّات صغيرة تدور في فلكها، غير معنية بكل هذا الثقل. لا تسأل عن ماهيتها. لا تحتاج أن تثبت وجودها لأحد.
أشعر برغبة في أن أعتذر للمعطف.
تركته يحمل انحنائي طوال الليل، بينما تمددت هنا أدّعي الراحة.
هو بقي مستيقظاً، متخذاً شكل الجسد، منتظراً تلك اللحظة التي سأضطر فيها لحشر نفسي فيه مجدداً.
لأنني سأفعل.
سأنهض بعد قليل. سأغسل وجهي بماء بارد لا يوقظ شيئاً في الداخل.
سأقف أمام الكرسي. سأدخل ذراعيّ في الأكمام الباردة، وأرتدي “أنا” مرة أخرى، وأخرج لأمارس كذبة الصلابة التي اتفقنا عليها جميعاً.
لكن شيئاً ما سيبقى هنا.
في الفراغ بين السرير والكرسي.
في السؤال الذي لم أجد له مكاناً في الخارج.
سيبقى معلّقاً كرائحة الصوف الرطب، ينتظر عودتي حين أخلع القشرة مرة أخرى.
المعطف الرماديّ لا يزال هناك.
صامت — أجوف. يحفظ شكلي حتى أعود.
ولا أعرف أيّنا ينتظر الآخر.
By : Sultan Husayyan



