ضبابٌ لا يُرى
عن الألم الذي نرفض تسميته، فيسكن كل شيء
“ الألم الذي لا نواجهه لا يختفي.. يتحول إلى ضباب يسكن كل شيء نفعله “
فنجان القهوة لم يعد باردًا فحسب. تحوّل إلى شيءٍ منسيّ على طرف الطاولة، غشاءٌ رقيق يعلو سطحه كجلدٍ ميت.
لا أذكر متى سكبته. ربما قبل ساعة، ربما قبل يومين.
هذا ما يفعله الألم حين نتجاهله .. لا يختفي. يتسلل إلى كل شيء حتى يصبح كل شيء هو .
عرفتُ رجلاً كان يضحك كثيرًا. ضحكته كانت أولَ ما يُسمع حين يدخل غرفة، عالية، معدية، تملأ الزوايا.
لكنني لاحظت شيئًا غريبًا: كان يضحك قبل أن تنتهي النكتة. كان يضحك وعيناه لا تشاركان. كانت ضحكته سدًّا، لا تعبيرًا. سدٌّ ضخم من الصوت يحمي شيئًا خلفه من أن يُرى.
مات وحيدًا في شقته. قالوا إن الجيران لم يلاحظوا غيابه إلا حين بدأت الرائحة.
الألم الذي رفض أن يُسمّيه لم يرحل حين مات.. فقط انتقل، ربما، إلى من عرفوه. إلى من رأوا ضحكته ولم يسألوا عمّا كان يخفيه.
أراقب يديّ الآن وأفكر في كل المرات التي استخدمتهما للإمساك بأشياء لا أحتاجها. الهاتف، الشاشة، كأسٌ آخر، طعامٌ لا جوع له. كل هذه الحركات الصغيرة المتكررة التي نملأ بها الوقت، ألم نلاحظ أنها تشبه حركات الغريق؟
نحن نتخبط، لا نسبح .
والألم الذي لا نواجهه يتحول إلى ماءٍ نغرق فيه ببطء.. لا موجة واحدة تقتلنا، بل ارتفاعٌ تدريجي لا نكاد نشعر به حتى نجد أنفسنا قد غرقنا منذ زمن.
هناك طريقة نمشي بها حين نكون مثقلين بشيءٍ لم نعترف به.
مشية أبطأ قليلاً، الكتفان منحنيتان إلى الأمام كمن يحمي صدره من ضربة قادمة .
رأيتها في المرآة هذا الصباح. لم أكن أعرف أنني أمشي هكذا.. لكن جسدي كان يعرف.
جسدي يحمل ما يرفضه عقلي.
الألم المكبوت لا يختبئ في الرأس فقط.. يسكن العضلات، يتصلب في الرقبة، يثقل الخطوات، يجعل التنفس أقلّ عمقًا.
نظن أننا تجاوزنا شيئًا ما، لكن أجسادنا تخوننا. تحتفظ بكل ما رفضنا الشعور به، تخزّنه في مفاصلها كما تخزّن البيوت القديمة رطوبة السنين.
قالت لي صديقة مرة، ونحن نجلس على شرفة باردة في ليلة شتائية: “لماذا تتحدث دائمًا عن أشياء عامة؟ عن الكتب، عن الأفلام، عن أفكار الآخرين. متى آخر مرة قلت لي شيئًا عنك؟”
صمتُّ.
ليس لأنني لا أريد أن أقول. بل لأنني اكتشفت في تلك اللحظة أنني لا أعرف ماذا أقول. الأشياء العامة كانت سورًا بنيته بيني وبين نفسي أولاً، قبل أن أبنيه بيني وبين الآخرين. كنت أختبئ خلف الأفكار لأنني لا أستطيع مواجهة ما تحتها.
الضباب.
ضبابٌ بلا لون ولا شكل، يملأ كل شيء، يجعل كل قرار أثقل، كل صباحٍ أبطأ، كل محادثةٍ مرهقة. ليس حزنًا يمكن تسميته، ليس خوفًا من شيء محدد. مجرد ثقل لزج يتسرب إلى الهواء ذاته.
الألم الذي لا نواجهه يفعل شيئًا أغرب من البقاء. يتكاثر.. يلوّث كل شعور جديد بطعمه.. تفرح بشيء فيأتيك ظلٌّ من تساؤل لا مصدر له: “هل أستحق هذا؟ هل ستدوم؟ ماذا سأفقد بعدها؟” تحب شخصًا فتجد نفسك تنتظر الخيانة، تتفحص الكلمات بحثًا عن أكاذيب، تحصي المسافات. الألم القديم يقف بينك وبين كل شيء جديد كزجاجٍ مغبّش، يُريك الأشكال لكن يمنعك من لمسها.
أعرف رجلاً لم يحب أحدًا منذ عشرين سنة. ليس لأنه لم يقابل من يستحق، بل لأنه في كل مرة كان يقترب، كان شيءٌ ما يشدّه إلى الوراء. خوفٌ قديم، جرحٌ لم يُطهَّر، صوتٌ يقول: “هذا سينتهي بالألم، كما انتهى كل شيء.”
لم يكن يهرب من الحب.. كان يهرب من تكرار ألمٍ لم يواجهه أول مرة.
ثمة ليالٍ أستيقظ فيها من نومٍ ثقيل، لا أذكر الحلم لكنني أشعر بآثاره.. قلبي يخفق بسرعة، قميصي مبلل، وشعورٌ غامض بأن شيئًا فظيعًا حدث أو سيحدث.
أجلس في السرير وأحاول أن أفهم. لكن لا شيء واضح. مجرد بقايا رعبٍ بلا اسم.
هذا ما يفعله الألم المدفون. يخرج في الليل حين تنام الدفاعات.. يطرق من الداخل، يذكّرنا أنه لم يذهب إلى أي مكان. كان ينتظر فقط.
لماذا نرفض المواجهة؟
ربما لأن المواجهة تعني الاعتراف. والاعتراف يعني أن نقول: نعم، حدث هذا. نعم، آلمني. نعم، ما زال يؤلمني. وهذا ثقيل. ثقيل أن تعترف بأنك مكسور في مكانٍ ما، أن هناك شيئًا فيك لم يُشفَ، أنك لست بالقوة التي تتظاهر بها.
نحن نبني حياتنا على أساس أننا بخير. نرتب وجوهنا كل صباح، ونخرج إلى العالم بابتساماتٍ مُعدّة، ونجيب على “كيف حالك” بـ”الحمد لله” السريعة التي لا تنتظر تفصيلاً. والألم يبقى خلف الباب، ينتظر، يتراكم، يتحول إلى ضبابٍ يغلف كل شيء.
شاهدت مرة مقطعًا لطفل يسقط ويصطدم رأسه بالأرض. أول ما فعله لم يكن البكاء. نظر حوله أولاً، يبحث عن عيون الكبار. كان يريد أن يعرف: هل هذا مسموح؟ هل يمكنني أن أبكي الآن؟
نحن نفعل الشيء ذاته طوال حياتنا. ننتظر إذنًا للألم. ننظر حولنا، نقيس ردود الفعل، نتساءل: هل ألمي كافٍ؟ هل يستحق أن يُرى؟ أم أن هناك من ألمه أكبر، فيجب أن أصمت؟
وهكذا نصمت. نبتلع الألم مرة بعد مرة، حتى يمتلئ الحلق، حتى نختنق بما لم نقله، بما لم نسمح لأنفسنا أن نشعر به.
الضباب الذي أتحدث عنه ليس استعارة .. إنه حقيقي بقدر ما يمكن لشيء غير مرئي أن يكون حقيقيًا .
أشعر به في الصباحات التي أستيقظ فيها متعبًا رغم نومي ثماني ساعات.
أشعر به في الأمسيات التي أجلس فيها أمام الشاشة لساعات دون أن أرى شيئًا. أشعر به في منتصف المحادثات، حين تتحرك شفتاي وأنا في مكان آخر تمامًا.
ليس غيابًا. ليس فراغًا .. بل حضورٌ من نوعٍ آخر .. حضور الغياب .
ثقل ما لم نعشه، ما رفضنا أن نعيشه، ما هربنا منه حتى تحول إلى ظلٍّ يتبعنا في كل مكان.
جرّبت أن أواجه. مرة واحدة.
جلست في غرفة مظلمة، أغلقت هاتفي، لم أشغّل أي صوت، وانتظرت.
في البداية لم يحدث شيء. صمت فقط، وأفكار عشوائية عن أشياء لا علاقة لها بأي شيء. ثم، ببطء، كسيلٍ يخترق شقًّا في سد، بدأ شيء يتسرب. ذكريات لم أكن أعرف أنني أحتفظ بها. لحظات ظننت أنني نسيتها. وجوه، كلمات، لمسات. أشياء آلمتني وأشياء آذيت بها غيري. كل شيء دفعته إلى الأسفل لسنوات بدأ يطفو.
بكيت.
لم يكن بكاءً جميلاً كما في الأفلام. كان قبيحًا، متشنجًا، مخيفًا. شعرت بأنني أتفكك. شعرت بأن شيئًا في داخلي ينكسر، أو ربما كان مكسورًا منذ زمن طويل وأنا الآن أسمع صوت الكسر للمرة الأولى.
في الصباح التالي لم أشعر بالخفة.
من يقول إن المواجهة تجلب راحة فورية يكذب، أو لم يجرّب حقًّا. ما شعرت به كان أشبه بما يشعر به المريض بعد عملية جراحية: الورم أُزيل، لكن الجرح ما زال مفتوحًا، ما زال ينزف، ما زال يحتاج وقتًا ليلتئم.
لكن شيئًا ما تغيّر.
الضباب لم يختفِ، لكنه أصبح أخفّ. كأن شقًّا فُتح في جدارٍ كنت أظنه صلبًا، وبدأ ضوءٌ شحيح يتسلل. ليس كافيًا لأرى بوضوح، لكن كافيًا لأعرف أن هناك شيئًا على الجانب الآخر.
الألم الذي لا نواجهه لا يختفي.
يتحول.
يصبح ضبابًا يسكن كل شيء. يلوّث الفرح قبل أن يكتمل، يثقل الحب قبل أن يبدأ، يجعل الحاضر ملوّثًا بماضٍ لم نهضمه. نعيش نصف حياة، ننظر إلى العالم من خلف زجاجٍ مغبّش، نلمس الأشياء بأيدٍ خدرة.
والمواجهة ليست شفاءً. ليست نهاية سعيدة. ليست حلًّا سحريًّا يحوّل الألم إلى حكمة والجراح إلى قوة كما تقول كتب التنمية البشرية.
المواجهة فقط هي أن ترى.
أن تقف أمام ما هربت منه وتقول: أنت هنا. أعرفك. لن أتظاهر بأنك لست موجودًا بعد الآن.
فنجان القهوة لا يزال على طرف الطاولة.
لن أشربه. لن أرميه أيضًا.
سأتركه هناك، شاهدًا صغيرًا على الوقت الذي مرّ وأنا أكتب هذا. على الساعات التي قضيتها في محاولة أن أضع كلمات على شيءٍ لا اسم له.
والضباب ما زال هنا.
لكنني أراه الآن.
By : Sultan Husayyan



