كرسيٌّ لا يُحَبّ ولا يُكره
رواية قصيرة : صمتُها لم يُسمَع.
اليوم الأول
في السادسة إلا ربعاً، كان الضوء لا يزال رماديّاً على حافة النافذة، يتسلّل إلى المطبخ على مهل كما يتسلّل كلّ صباح منذ سنوات. فتحت سارة الصنبور، ومرّ الماء على أصابعها بارداً بما يكفي ليوقِظ طرف الإبهام وحده. أخرجت الخبز من الكيس. رتّبته في الصحن. وضعت الصحن في منتصف الطاولة.
كان الإفطار جاهزاً قبل أن يستيقظ أحد. وقفت لحظةً تنظر إلى المشهد كأنّها لم تره من قبل: كوب خالد الأزرق على يمين الطبق، ملعقة الابنة الصغيرة فوق المنديل، علبة الجبن مفتوحة من الجهة التي يفضّلها الولد. كلّ شيء في مكانه، لأنّ كلّ شيء كان في مكانه منذ زمن طويل.
كانت تنوي أن تقول “الإفطار جاهز” حين تسمع خطوات خالد على السلّم. فتحت فمها قبل أن يصل. ثم أغلقته.
لم يكن في الأمر قرار كبير. كان أقرب إلى أن تنسى، في اللحظة الأخيرة، سبب الكلام.
نزل خالد. قال صباح الخير لأحدٍ ما، ربما للمطبخ نفسه، وجلس. سحب الهاتف من جيبه قبل أن يسحب الكرسي إلى الطاولة. قال: “البارحة نسيت أقول لك، سأتأخّر الليلة. اجتماع.” لم ينتظر رداً. لم يكن قد انتظر رداً منذ زمن، لكنّها لاحظت الآن أنّ عدم الانتظار له شكل محدّد: ميل طفيف للرقبة نحو الشاشة، وتقدّمٌ للكتف الأيمن فوق الكوب.
نزلت الابنة، مرّرت يدها على شعرها المبلّل، التقطت قطعة خبز من الطبق ومضت إلى الباب. نزل الولد بعدها بدقيقة، أخذ كوب الحليب، شربه واقفاً، ووضع الكوب في الحوض من مسافة، فاصطدم بالإستانلس ورنّ.
خرج الجميع. بقي الخبز في منتصف الطاولة. بقيت سارة واقفةً بجانب الكرسي، يدها على ظهره.
لم تكن قد نطقت كلمةً واحدة منذ أن استيقظت. لا أحد لاحظ.
في الحادية عشرة، رتّبت السرير العلوي. لاحظت أنّ الوسادة اليسرى أثقل من اليمنى بقدر ما يثقل رأسٌ ينام على جانب واحد. طوت المنشفة الزرقاء بأربع ثنيات، كما تفعل دائماً، لكنّ الطيّة الثالثة جاءت مستقيمة أكثر من اللازم، وقفت أمامها تتأمّلها. ثم سحبتها من الرفّ، وطوتها من جديد.
في المطبخ، وضعت قدراً على النار وسكبت فيه ملعقتين من الزيت. حين سخن الزيت، سمعت صوته للمرّة الأولى منذ سنوات — صوت متوتّر، بين الصفير والهمس، كأنّ الزيت يبحث عن شيء يقوله قبل أن يصل البصل.
ِ
في الرابعة، دخلت الابنة وسألت: “أمّي، هل غسلتِ القميص الأبيض؟”
أشارت سارة بإصبعها إلى الخزانة.
قالت الابنة: “شكراً”، وخرجت.
جلست سارة على حافة الكرسي في الصالة. كان في ذراعها إحساسٌ غريب بالخفّة، كما لو أنّها لم ترفع شيئاً طوال اليوم، مع أنّها رفعت كلّ شيء.
في المساء، عاد خالد في الثامنة والنصف. قال إنّ الاجتماع كان طويلاً. قال إنّ المدير قال كذا. قال إنّ فلاناً يتصرّف كأنّه يفهم. أكل، وهو يحكي، أربع لقمات متواصلة ثم توقّف ليشرب. حين انتهى، نظر إلى الطبق الفارغ لحظةً، ثم نهض.
قال وهو خارج من المطبخ: “الطعام كان لذيذاً.”
لم ينتظر جواباً.
غسلت سارة الصحون. حين أغلقت الصنبور، كان المنزل قد استقرّ في صمته الليليّ. ليس صمتها هي، بل صمته هو — تنفّس التكييف، ساعة الحائط في الممرّ، الثلّاجة تعمل ثم تتوقّف.
نامت في السرير بجانب خالد. لم يسألها كيف كان يومها. لم يكن قد سألها منذ سنة على الأقلّ.
أدركت أنّ يوماً كاملاً قد مرّ دون أن تتكلّم، وأنّ شيئاً لم يُكسر.
اليوم الثاني
استيقظت قبل المنبّه بعشر دقائق. في هذه العشر دقائق، فكّرت بدقّة في كيفية قضاء اليوم دون كلام. ليس خوفاً، بل تخطيطاً، كما تخطّط المرأة لرحلة إلى بلدٍ لا تعرف لغته.
الإفطار. توصيل الولد إلى المدرسة. السوق. الغداء. الابنة تعود في الثانية. خالد في السادسة. العشاء. النوم.
سبع عشرة ساعة. كم كلمةً كانت ستقولها عادةً؟ حسبت: تحيّة، توجيهات، تذكيرات، ردود قصيرة، ملاحظات على الطريق. ربّما ثلاثون جملةً. ربما أقلّ.
ثلاثون جملة في يوم. كم جملةً قالت في السنة الماضية داخل هذا المنزل؟ توقّفت عند هذا السؤال، ليس لأنّها لا تعرف الجواب، بل لأنّ الجواب كان أصغر ممّا توقّعت.
في السيّارة، أوصلت الولد إلى المدرسة. كان منشغلاً بسماعات أذنيه. في لحظة الوداع، مدّ يده وضغط كتفها، ونزل. لم يرفع رأسه. لم ينظر إليها.
كانت يدها على المقود. لاحظت أنّ جلد المقود قد بهت قليلاً في منطقة إبهام يدها اليمنى. بقعة صغيرة، ناعمة، بلا لون محدّد. أثرٌ جسديّ لاثنتي عشرة سنةً من نفس الحركة، في نفس الاتّجاه، على نفس المقود.
في السوق، أشارت إلى الجبن الذي تريده. ابتسم البائع وقال: “كالعادة، نصف كيلو؟” أومأت. زن لها الجبن، ناولها الكيس. دفعت بالبطاقة. خرجت.
في الطريق إلى البيت، انتبهت إلى أنّ الراديو كان مغلقاً. لم تفتحه. كانت تسمع، بدلاً من الموسيقى، صوت المحرّك الخفيف، وصوت إطار السيّارة على الإسفلت، وصوت النفس في أنفها حين تتنفّس من الأنف لا من الفم.
في الساعة الرابعة، رنّ هاتفها. كان اسم الجارة على الشاشة. أمّ زياد. نظرت إلى الاسم ينبض ثم يتوقّف. ثم جاءت رسالة صوتيّة، استمعت إليها وهي تجفّف يديها بالمنشفة:
“سارة حبيبتي، أين اختفيتِ؟ أنا أزوركِ العصر إذا ما كان عندكِ شيء. سأعمل لكِ القهوة وأحكي لكِ عمّا صار مع بنت جاري، لا تتخيّلي. أسلّم عليكِ. مع السلامة.”
لم تردّ. وضعت الهاتف على طاولة المطبخ، بجانب المفاتيح.
في الخامسة والربع، رنّ الجرس. فتحت الباب. دخلت أمّ زياد إلى الصالة، خلعت حذاءها، جلست، وبدأت الحكاية من منتصفها، كأنّها تكمل محادثة من أمس.
صبّت سارة القهوة في فنجانين. قدّمتها. جلست مقابل أمّ زياد. لم تقل شيئاً.
تكلّمت أمّ زياد أربعين دقيقة — حسبت سارة لاحقاً من الساعة التي على الحائط. تكلّمت عن بنت الجار، وعن المدرسة الخاصّة التي فكّرت بنقل ابنها إليها ثم غيّرت رأيها، وعن ألم ظهرها الذي بدأ يزعجها منذ رمضان، وعن وصفة الملفوف التي جرّبتها البارحة ولم تنجح.
سارة تنظر إليها، تومئ أحياناً، تبتسم ابتسامة صغيرة في الأماكن المناسبة. حين انتهت القصّة الكبيرة، سألت أمّ زياد: “وأنتِ، كيف أخبارك؟” ثم، قبل أن تُبدي سارة أيّ حركة، أضافت: “الحمد لله، المهمّ الصحّة. كلّنا صرنا هكذا، كلّ يوم مثل الذي قبله.”
شربت أمّ زياد آخر قطرة من فنجانها، نهضت، قبّلت سارة على الخدّين، وغادرت.
أغلقت سارة الباب. عادت إلى الصالة. كان الفنجانان على الطاولة، فنجانها ممتلئاً إلى النصف، قد برد. فنجان أمّ زياد فارغاً تماماً، تحتّ حافته خطّ خفيف من القهوة.
وقفت طويلاً تنظر إلى الفنجانين.
اليوم الثالث
في العاشرة صباحاً، رنّ الهاتف الأرضيّ. لم يرنّ الهاتف الأرضيّ منذ أسابيع. نظرت سارة إليه كما تُنظر إلى طائر هبط فجأةً في المطبخ.
رفعت السمّاعة إلى أذنها.
قالت المرأة على الطرف الآخر: “آلو؟ أهلاً، أنا مديرة مدرسة عبد الرحمن. هل أنا أتكلّم مع والدة عبد الرحمن؟”
سكوت.
“آلو؟”
سكوت.
“يبدو أنّ الخطّ سيّء. سأتّصل على رقمكم الآخر.”
أُغلق الخطّ.
رنّ الهاتف الخلويّ بعد ثوان. رفعته سارة، أخرجت التطبيق، كتبت: “السلام عليكم، أنا والدة عبد الرحمن. الصوت اليوم ضعيف في الهاتف. تفضّلي اكتبي.”
ردّت المديرة بعد دقيقة: “وعليكم السلام. عبد الرحمن تعرّض لمشادّة صغيرة في الفسحة. لا شيء خطير، لكن أحببنا إعلامكم. هل يمكن أن تأتي لأخذه؟”
كتبت سارة: “أنا في الطريق.”
خرجت من المنزل. في السيّارة، انتبهت إلى أنّ قلبها لم يتسارع. كان الأمر مشابهاً لحلّ مسألة رياضيّة: معطيات، عمليّات، نتيجة. الابن بخير — قالوا لا شيء خطير. المسألة كانت في كيفية أخذه دون أن تتكلّم.
في المدرسة، مشت إلى مكتب المديرة، فتحت الباب، ابتسمت، أومأت. كان عبد الرحمن جالساً على الكرسيّ، وجهه منتفخاً قليلاً من جهة الخدّ الأيسر، لكنّه لم يكن يبكي.
تكلّمت المديرة عن الحادثة. عن الولد الآخر. عن أنّ المدرسة ستتّصل بوالد الولد الآخر. عن أنّ عبد الرحمن لم يكن هو البادئ. عن أنّها تعتذر عن الإزعاج.
أومأت سارة. ابتسمت ابتسامة صغيرة تعني: “شكراً، لا بأس، أفهم.” مدّت يدها لعبد الرحمن. قام.
في السيّارة، لم يسألها لماذا لم تتكلّم. كان منشغلاً بفحص وجهه في مرآة الشمس. قال: “أمّي، هو الذي بدأ. أنا لم أكن أريد أن أضربه، لكنّه ضربني أولًا.”
أومأت. وضعت يدها على ركبته لحظة. كان هذا كافياً له. بدأ يحكي بقيّة القصّة، بالتفاصيل، بحماس من يُعيد سرد معركة انتصر فيها. تكلّم كلّ الطريق إلى البيت، ولم يحتج إليها.
حين نزل من السيّارة، قال لها: “شكراً أمّي”، ودخل إلى غرفته.
جلست سارة في السيّارة بعد أن أوقفت المحرّك. الضوء في الممرّ بين الشارع وبيتها كان ذهبياً من جهة، ورماديّاً من الجهة الأخرى. على الجدار المقابل، ظلّ شجرة الزيتون كان يتحرّك ببطء مع الهواء. لم يكن قويّاً — هواءٌ بالكاد تشعر به على الجلد — لكنّه كان كافياً ليحرّك الظلّ.
أدركت أنّها كانت تستطيع حلّ مسألة المدرسة كاملةً دون أن تتكلّم. أدركت أنّ خالداً، لو كان معها، لكان تكلّم بدلاً منها على أيّ حال. أدركت أنّ ما اعتقدت أنّه صوتها في هذا المنزل لم يكن صوتها، بل صدى تنوب عنه كلّما غاب.
نزلت من السيّارة. كان مفتاح المنزل بارداً في يدها.
اليوم الرابع
في الفجر، قبل أن ينهض أحد، جلست في الصالة على الكرسيّ الذي لا يجلس عليه أحد عادةً — الكرسيّ الأقرب إلى النافذة، الذي يستخدمه خالد أحياناً لوضع الصحف.
كان المنزل يتنفّس. اكتشفت هذا في هذا الفجر بالذات. المكيّف يعمل بنَفَسٍ ثقيل، ثم يسكت، ثم يعمل. الثلّاجة — صوتها أخفت. أنبوب الماء داخل الجدار، حين يُفتح الصنبور في الطابق العلويّ، يُصدر همسةً تنتقل عبر الخشب.
ثم بدأ المنزل يستيقظ: خطوة خالد على البلاط في غرفة النوم، ثقيلة ومسحوبة قليلاً لأنّه يلبس جوربه أثناء المشي. خطوة الابنة في الحمّام، أخفّ، متقطّعة. خطوة عبد الرحمن — لا شيء، لأنّه ينام حتى الثامنة.
كلّ فرد من الأسرة له إيقاعه على البلاط. ثلاثة إيقاعات مختلفة. إيقاعها هي — الرابع — كانت قد توقّفت عن سماعه منذ زمن، لأنّها كانت داخله.
نزل خالد. دخل المطبخ. لم يرَها على الكرسيّ قرب النافذة. صنع قهوته. جلس إلى الطاولة. خمس دقائق. لم ينظر إلى الصالة مرّة واحدة، مع أنّ الكرسيّ كان في خطّ الرؤية المباشرة من مكانه.
حين نهض، مرّ بجانب الكرسيّ في طريقه إلى الباب. لم يلتفت.
انتظرت حتى سمعت الباب يُغلق. ثم قامت من الكرسيّ، ورتّبت وسادته من جديد.
في منتصف النهار، وقفت أمام النافذة في غرفة الصالة. الضوء كان يدخل من زاويةٍ لم تنتبه إليها من قبل — زاوية تصنعها شجرة الجارة، التي كبرت في السنوات الأخيرة وأصبحت تحجب جزءاً من النافذة عند الظهر.
كان على الأرض شكلٌ من الضوء، يشبه نصف معيّن. كانت قطعة الأثاث الوحيدة التي تدخل فيه هي طاولة القهوة الصغيرة. رأت سارة الغبار على سطح الطاولة، في الضوء، جسيمات دقيقة ترفّ في الهواء، ترتفع وتنزل ببطء شديد كأنّها لا تعرف الجاذبيّة.
لم تمسحه. وقفت تنظر إليه. ثمّ جلست على الأرض قرب الطاولة لترى الغبار من مستوىً أقرب.
كانت هذه أوّل مرّة في عشرين سنةً تجلس فيها على السجّاد في غرفة الصالة دون سبب. دون أن تبحث عن شيء سقط، دون أن تلعب مع الأطفال حين كانوا صغاراً، دون أن ترتّب الوسائد. فقط لترى الغبار.
أحسّت بالسجّاد تحت راحة يدها. خشن قليلاً، دافئ من جهة الضوء، بارد من الجهة الأخرى. لم تكن قد لمست هذا السجّاد بيدها هكذا منذ أن اشترَوه.
اليوم الخامس
في الرابعة عصراً، كانت الابنة في غرفتها تضحك على الهاتف. ضحكة متواصلة، مفاجئة، صادقة بطريقةٍ لم تسمعها سارة منها منذ أن صارت مراهقةً. كانت الضحكة تمرّ عبر الجدار الخشبيّ بين الغرفتين وتصل إلى أذن سارة ناعمةً، بلا حواف.
وقفت سارة في الممرّ بين غرفتها وغرفة الابنة. وضعت يدها على الجدار. شعرت باهتزازٍ خفيف جدّاً — ليس من الضحك، بل من شيء في الجدار نفسه. ربّما أنبوب. ربّما الريح على السطح.
انتبهت إلى أنّها لم تسمع ابنتها تضحك هكذا معها منذ سنوات. ربما قبل سنتين أو ثلاث. لم تكن قد فكّرت في هذا من قبل. لم يخطر لها أن تعدّ الضحكات.
في لحظةٍ — لحظةٍ واحدة، سريعة كانقطاع الكهرباء — شعرت بشيءٍ يتجمّع في صدرها يشبه رغبةً في أن تصرخ. ليست صرخة غضب، بل صرخة تجربة: صرخة لترى ما إذا كانت الجدران سترتجّ، ما إذا كان الضحك سيتوقّف، ما إذا كانت الابنة ستخرج من غرفتها لتسأل.
لم تصرخ.
مشت إلى المطبخ. فتحت صنبور الماء البارد. ملأت كوباً. شربت نصفه. وضعت الكوب على طرف الرخامة. لاحظت أنّها وضعته قرب الحافّة أكثر ممّا تفعل عادةً — سنتيمتر واحد من الحافّة، لا أكثر. حرّكته إلى الوسط. ثم، بعد ثانية، أعادته إلى طرف الحافّة.
في المساء، بعد العشاء، جلست الأسرة في غرفة الجلوس. كلّ واحد مع هاتفه. خالد على كرسيّه، الابنة على الكنبة الطويلة، عبد الرحمن على الأرض متّكئاً على الكنبة.
جلست سارة على الكرسيّ الصغير في الزاوية. لم تأخذ هاتفها. وضعت يديها في حضنها.
لم يرفع أحدٌ عينيه نحوها طوال خمسٍ وعشرين دقيقة.
في الدقيقة السادسة والعشرين، نظرت الابنة في اتّجاهها، لكنّها لم تكن تنظر إليها — كانت تنظر إلى الساعة المعلّقة خلفها. رجعت الابنة إلى هاتفها.
في الدقيقة الثالثة والثلاثين، قال خالد دون أن يرفع رأسه: “سارة، أطفئي الضوء الذي فوق رأسي، ينعكس على الشاشة.”
نهضت. طفأت الضوء. عادت إلى كرسيّها.
لم يقل شكراً. لم يكن هذا عن قلّة أدب — كان خالداً يقول شكراً كثيراً حين يتذكّر. كان الأمر أنّه لم يعد يرى الفعل.
جلست في العتمة الجديدة. كان الضوء الوحيد في الغرفة يأتي من الشاشات الثلاث. ضوءٌ أزرقٌ باردٌ يلوّن وجوه أفراد أسرتها بلونٍ غير لونهم.
أدركت شيئاً: كانت قد أصبحت، في هذه الغرفة، جزءاً من الأثاث. ليست غير مرئيّة — الأثاث مرئيّ — بل وظيفيّة بالطريقة التي يكون بها الكرسيّ وظيفيّاً: تُستخدَم حين تُطلَب، وتُترَك في مكانها حين لا تُطلَب.
الكرسيّ لا يُهان. لا يُحَبّ. لا يُكره. الكرسيّ يكون.
اليوم السادس
أمسكت في الصباح بدفتر صغير كانت قد اشترته قبل سنةٍ لتدوين قائمة السوق، ولم تستخدمه. كتبت على الصفحة الأولى:
ملاحظات
ثم، تحت العنوان:
خالد يدخل الغرفة. يمسح الغرفة بعينيه. يبحث عن شيء — المفاتيح، الهاتف، جواربه — لا يبحث عنّي. لا أُعدّ بين الأشياء التي يمكن فقدها.
عبد الرحمن يكلّم المطبخ. يقول “أين الزيت؟” إلى الفضاء. حين لا يجيب الفضاء، يفتح الخزانة بنفسه. ينجح. لم يكن يحتاج إلى جواب، كان يحتاج إلى بثّ الصوت.
الابنة تضحك لانعكاس وجهها في شاشة الهاتف أكثر ممّا تضحك لأيّ وجهٍ حقيقيّ في هذا المنزل.
أغلقت الدفتر. وضعته في جيب المئزر. لم تكتبه باسمها. لم تكتب تاريخاً.
في الثانية بعد الظهر، تلقّت مكالمةً من أمّها. كانت الأمّ في البيت القديم، على بُعد ساعةٍ بالسيّارة. رنّ الهاتف مرّتين، ثلاث مرّات. لم ترفع.
جاءت الرسالة الصوتيّة. استمعت إليها وهي جالسةٌ على الأرض قرب النافذة.
“سارة، أمّك. اتّصلت عليكِ ثلاث مرّات هذا الأسبوع. أعرف أنّكِ مشغولة، لكن اتّصلي حين تقدرين. أريد أن أطمئنّ عليكِ فقط. صوتكِ لا حضور له في رأسي هذه الأيام. ، ولا أعرف لماذا.”
لم تعد الرسالة طويلة. ثماني عشرة ثانية. لكنّ الجملة الأخيرة — ““صوتكِ لا حضور له في رأسي هذه الأيام.” — وقفت سارة عندها.
أعادت الرسالة. استمعت إلى الجملة مرّتين.
أمّها هي الوحيدة في العالم التي لاحظت أنّ صوتها لم يعد يصل. لم تكن قد كلّمت أمّها منذ اثني عشر يوماً. قبل التجربة بخمسةٍ على الأقلّ. كانت تنوي الاتّصال، ثمّ كانت الأيّام تدور، ثمّ كان المساء يأتي، ثمّ كانت تنسى.
أمّها كانت تسمعها حتى حين لا تكون تسمعها. كانت تسمعها في الغياب.
أمسكت سارة بالهاتف. كتبت رسالة نصيّة:
أنا بخير يا أمّي. مشغولة قليلاً. سأتّصل بكِ قريباً.
أرسلتها. ثمّ جلست دون أن تتحرّك حتى جاء ردّ الأمّ بعد دقيقتين:
الله يحميكِ. اشتقت لصوتكِ.
نظرت إلى الجملة على الشاشة. “اشتقت لصوتكِ.” ليس “اشتقت إليكِ.” صوتكِ.
أدارت الهاتف ووضعته وجهه إلى أسفل على السجّاد.
اليوم السابع
في السادسة إلا ربعاً، كان الضوء لا يزال رماديّاً على حافّة النافذة، يتسلّل إلى المطبخ كما يتسلّل كلّ صباح. فتحت سارة الصنبور. مرّ الماء على أصابعها. أخرجت الخبز من الكيس. رتّبته في الصحن. وضعت الصحن في منتصف الطاولة.
كوب خالد الأزرق على يمين الطبق. ملعقة الابنة الصغيرة فوق المنديل. علبة الجبن مفتوحة من الجهة التي يفضّلها الولد.
سبعة أيّام. الحركات نفسها. الأشياء في المواضع نفسها. الضوء بالصفة نفسها.
لكنّ شيئاً في الطاولة كان مختلفاً. لم يكن الاختلاف في الأشياء، بل في علاقتها بها. كانت تنظر إلى الإفطار الآن من مسافة، كما تُنظر إلى تركيبةٍ وُضِعَت منذ زمنٍ طويلٍ في متحف. لم تَعُد هي التي رتّبته هذا الصباح. كانت مجرّد اليد التي نُسِخَت فيها حركةٌ قديمة.
نزل خالد. جلس. سحب الهاتف. شرب نصف الكوب قبل أن ينظر إلى الطبق. أخذ قطعة خبز. مدّها في الجبن. أكل.
ثم، بين اللقمة الثالثة والرابعة، رفع عينيه.
نظر إليها لثانيتين، أو ثلاث.
قال: “أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة.”
في الهواء بين الجملة وجوابها المحتمَل، كانت سارة تنظر إلى وجه زوجها.
لم يكن وجه رجلٍ قاسٍ. كان وجه رجلٍ تعب، صادقٍ في سؤاله ضمن الحدّ الذي يستطيع أن يكون فيه صادقاً. لاحظ أنّ لونها تغيّر. لم يلاحظ أنّها لم تقل كلمةً واحدة منذ سبعة أيّام.
“تبدين شاحبة” — ملاحظة على السطح. السطح هو ما يصل إليه. تحت السطح، كان هناك أسبوعٌ كامل، وكان قبل الأسبوع عشرون سنة، وكان تحت العشرين سنةً شيءٌ آخر لم تعد تستطيع تسميته.
انتظر جوابها. لم ينتظره طويلاً. خمس ثوانٍ. ستّ. ثم عاد إلى هاتفه.
ابتسمت سارة.
لم تكن ابتسامةً مُرّة. ولم تكن ابتسامة سلام. كانت ابتسامة شخصٍ وصل إلى نهاية حسبةٍ كان يشكّ في نتيجتها، فوجد النتيجة قاطعة. ليس هناك ما يُضاف. ليس هناك ما يُطرح.
أومأت برأسها إيماءةً صغيرة. إيماءةً تعني — لو كان هناك من يقرأها — “نعم، أنا بخير.” إيماءةً تعني، في الحقيقة، شيئاً آخر تماماً، شيئاً ليس لها اسم في هذا المطبخ.
جلست على الكرسيّ المقابل. سكبت لنفسها نصف كوب من الشاي. كان الشاي قد برد قليلاً. لم تُسخّنه.
أكل خالد بقيّة خبزته. نظر إلى الساعة. نهض. مرّ بجانب الطاولة. وضع يده لحظةً على كتفها في طريقه إلى الباب. قال: “خذي راحتكِ اليوم، استريحي قليلاً.”
خرج. أُغلق الباب.
جلست سارة وحدها في المطبخ.
كان على كتفها الأيسر، على الجلد فوق العظم، أثرٌ خفيف من دفء يدٍ انسحبت. اختفى الدفء بعد ثوانٍ. بقي شيءٌ آخر — ليس دفئاً، ليس برداً، شيءٌ ثالث لا اسم له.
نظرت إلى كوب خالد الأزرق. كان فارغاً إلّا من بقايا قهوةٍ في القاع. كانت البقايا قد تحرّكت، ورسمت خطّاً غير منتظم حول الحافّة الداخليّة.
نظرت إلى صحنها هي. كان فارغاً تماماً. لم تأكل. لم تكن جائعة.
على الطاولة، بين الكوبين، كان الضوء قد تقدّم بضعة سنتيمترات منذ جلست. كان يقترب من منديل الابنة. حين يصل إليه، سيضيء الطيّة التي طوتها سارة بعناية زائدة البارحة.
انتظرت أن يصل الضوء إلى المنديل.
حين وصل، لم يحدث شيء. كان المنديل مضيئاً. كانت الطيّة مستقيمة. كان الصحن في مكانه. كان المطبخ صامتاً بصمتٍ مألوفٍ بالنسبة لها الآن.
في مكانٍ ما في البيت، في ركنٍ ما من رأسها، انتهت التجربة.
لم تكن قد احتاجت إلى نتيجةٍ جديدة. كانت النتيجة واضحةً منذ اليوم الثاني. الأيّام الخمسة الأخرى كانت للتأكّد، وللاعتياد، ولشيءٍ ثالث لم تكن قد سمّته في حينه: كانت لتعتاد على ما سيأتي بعد.
وقفت. رفعت الكوب الأزرق، ووضعته في الحوض. رفعت صحنها، ووضعته في الحوض. مسحت الطاولة بقطعة قماشٍ مبلّلة. أعادت علبة الجبن إلى الثلّاجة. أغلقت الباب.
مشت إلى الصالة. جلست على الكرسيّ قرب النافذة — الكرسيّ الذي لا يجلس عليه أحد.
كان الضوء الخارجيّ قد بدأ يشتدّ. ستستيقظ الابنة بعد قليل. ستطلب قميصاً. سيخرج عبد الرحمن من غرفته ويسأل عن الزيت. سيعود خالد في السادسة وسيتكلّم عن اجتماعه. الأشياء ستستمرّ في الحدوث كما كانت تحدث دائماً، لأنّها كانت تحدث دائماً دون أن تحتاج إليها إلّا بقدر ما يحتاج جدارٌ إلى مسمار.
لم يكن هذا مؤلماً بالطريقة التي كانت تتخيّل فيها الألم. كان الأمر أوضح من الألم، وأبرد، وأكثر نهائيّة.
وضعت راحتَي يديها على ركبتيها. شعرت بقماش ثوبها تحتهما. شعرت بثِقل ساقيها على الكرسيّ. سمعت الثلّاجة تعمل في المطبخ، ثمّ تتوقّف.
لم تكن تنتظر شيئاً.
هذا كان الفارق.
طوال عشرين سنة، كانت في كلّ لحظةٍ من لحظات الصمت تنتظر أن يَلتفت أحدٌ إليها. الانتظار كان هو الذي يجعل الصمت مؤلماً. الانتظار هو الذي كان يجعل كلّ إيماءةٍ من إيماءاتهم اختباراً رسَبَت فيه.
في هذا الصباح، في هذا الكرسيّ، توقّفت عن الانتظار.
الصمت نفسه لم يتغيّر. الغرفة نفسها لم تتغيّر. الضوء على السجّاد كان هو الضوء نفسه الذي وقفت تنظر إليه قبل يومين. لكنّ شيئاً تحت كلّ هذا تحوّل من سؤالٍ إلى جواب.
من النافذة، رأت عصفوراً يحطّ على سلك الكهرباء. بقي لحظة. طار.
لم تكن قد تكلّمت منذ سبعة أيّام.
لم تكن تنوي أن تتكلّم.
َ




