أرشيف اللحم
الجلد يتذكر ما نسيه العقل
الجلد يتذكر ما نسيه العقل.
في الظلام، تجد أصابعي طريقها إلى الندبة على ركبتي اليسرى — خط رفيع، ناتئ قليلاً، أملس كحجر نهري.. لا أتذكر السقوط، لكن جسدي يحتفظ بالدليل.. هناك أرشيف كامل تحت هذا الجلد، سجلات لم أكتبها، توقيعات لم أختر شكلها.
أمرر إصبعي على الخط مرة أخرى.
الندبة لا تؤلم، لكنها تُصر على الحضور.. شيء فيّ تصلّب هناك قبل عشرين سنة ولم يعد.. أتساءل أحياناً إن كان الطفل الذي سقط في ذلك اليوم قد ترك جزءاً منه في الإسفلت، وما نبت مكانه ليس استمراراً بل استبدالاً.. الخلايا تتجدد، يقولون.. كل سبع سنوات جسد جديد.. لكن الندبة باقية.. الندبة وحدها لا تنسى.
أسحب يدي وأضعها على بطني.
هنا أيضاً شيء يعرفني أكثر مما أعرفه.. تقلصات خفيفة لا أفهم مصدرها، توتر في عضلات لا أستطيع تسميتها.. أحاول أن أسترخي — هذه الكلمة التي يستخدمها الأطباء كأنها مفتاح سحري — لكن كيف أُرخي شيئاً لا أملك خريطته؟
الجسد.
نقول “جسدي” كما نقول “بيتي” أو “كتابي”.. لكن البيت لا يرفض أن يفتح بابه حين أعود متأخراً.. الكتاب لا يغيّر كلماته بينما أقرأ.. هذا الجسد — هل هو لي حقاً؟ أم أنني مستأجر في غرفة لم أختر أثاثها، وقد يطرق المالك الباب في أي لحظة ويقول: انتهى العقد؟
أستلقي على ظهري والسقف فوقي مساحة رمادية بلا ملامح.
كان هناك وقت — لا أذكره لكنني أعرف أنه كان — حين لم يكن الجسد “شيئاً” منفصلاً.. حين كانت اليد والرغبة في الإمساك شيئاً واحداً، حين كان الجوع والمعدة اسمين لحقيقة واحدة.. ثم حدث شيء — متى؟ كيف؟ — وصرت أراقب هذا الكيان من الداخل كأنني ضيف في مساحة لا أفهم قوانينها..
الألم علّمني هذا.
ليس الألم الحاد، الصراخ المفاجئ الذي يأتي ويذهب.. بل الآخر، الخافت، المقيم.. ذلك الذي يستيقظ معك ولا يعلن عن نفسه، يجلس في زاوية من وعيك طوال اليوم كضيف ثقيل لا يغادر.. تتعلم أن تتحرك حوله، أن تصمم يومك لتتجنب استفزازه، أن تبتسم وهو يحفر في مكان ما خلف عينيك.
أغمض عيني.
في العتمة الداخلية، الجسد يصير أكبر.. تتمدد الأطراف، يتضخم الإحساس بكل نقطة تماس — الملاءة على الظهر، الوسادة على الرقبة، الهواء على الوجه.. أنا هنا كلي، محشور في هذا الحيز من اللحم والعظم.. لكنني في الوقت نفسه لست هنا أبداً، أراقب من نقطة لا مكان لها، أقول “أنا” وأعني شيئاً يسكن هذا الجسد لكنه ليس مادته.
الطفل الذي سقط على الإسفلت — هل فكر هكذا؟ هل عرف، في اللحظة التي انشق فيها الجلد، أن شيئاً قد انشق أيضاً بين “هو” و”جسده”؟ أم أن الانشقاق لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسرب ببطء، كماء يجد طريقه إلى شق في الجدار؟
أفتح عيني.
السقف ما زال رمادياً، الغرفة ما زالت معتمة، الندبة على ركبتي ما زالت هناك — أعرف هذا دون أن ألمسها.. جسدي يعرف ندوبه كما تعرف الأرض مواقع آبارها.. لكنني أنا — أياً كان هذا الـ”أنا” — لا أعرف إلا الخريطة السطحية، القشرة الرقيقة التي يسمحون لي برؤيتها.
يدي تعود إلى الندبة.
ربما هذا كل ما نملكه: اللمس.. أن نتحسس حدودنا في الظلام، أن نرسم الخطوط بأصابعنا، أن نقول “هنا” و”هنا” و”هنا” — هذا أنا، هذا المكان الذي أنتهي فيه والعالم يبدأ.. الندبة ليست دليلاً على السقوط فحسب.. هي نقطة تماس، مكان التقى فيه الجسد بما ليس جسداً ورجع يحمل الأثر.
ربما هذا كل ما نحن عليه: مجموعة آثار.
ندوب مرئية وأخرى لا تُرى.. شقوق صغيرة تركها العالم على سطحنا، وشقوق تركها سطحنا على العالم.. نحن لا نسكن أجسادنا ولا نملكها — نتشاركها، نتفاوض معها، نخسر أمامها أحياناً ونربح أحياناً أخرى.. البيت الذي لا يفتح بابه ليس بيتاً.. لكنه أيضاً ليس سجناً تماماً.. هو شيء بين، منطقة رمادية كهذا السقف الذي أحدق فيه.
يدي ترتاح على الندبة.
الخط الناتئ، الأملس، البارد قليلاً.. الجسد يتذكر ما نسيه العقل.. لكنه لا يخبرني.. يحتفظ بأسراره كما يحتفظ الجدار بصدى الأصوات القديمة — موجودة في مكان ما، مدفونة في المادة، لكنني لن أسمعها مهما أصغيت.
العتمة تثقل.
أصابعي ما زالت هناك—
By : Sultan Husayyan




أخذه للعقل هذه المقاله، وجدًا اعجبتني الختاميه الي تدور حول كون الأنسان عباره عن مجموعة آثار