حبّ الظلّ
رواية قصيرة
١
في الخامسة وسبع عشرة دقيقة، حين لم يكن ينتظر شيئاً، انشقّ الجدارُ الأبيض.
لم ينشقّ حقاً. لكنّ الضوء فعل ما لم يفعله من قبل: تسلّل عبر الفراغ الضيّق بين المبنى المجاور وحافة السقف، كخيطٍ ذهبيّ مشدود، ثم سقط — بزاوية لا تتكرّر إلا في هذه الدقائق — على جصّ الجدار الخلفيّ للمرسم. وفي النقطة التي لامسها الضوء، ظهر ظلّ.
كنان كان يمسح فرشاةً قديمة بخرقة مبلّلة بالتربنتين. الرائحة حادّة، تملأ تجويف الأنف وتستقرّ خلف العينين كوخزٍ بطيء. أصابعه ملطّخة بالأزرق البروسيّ — ذلك اللون الذي يبقى تحت الأظافر أياماً بعد أن يُغسل كلّ شيء — حين التقطت عيناه، من زاوية غير مقصودة، شيئاً على الجدار لا ينتمي إلى المرسم.
ظلّ امرأة جالسة.
ليس بقعةً عشوائيةً ولا تراكماً ضبابياً للعتمة. ظلّ بحوافّ واضحة: انحناءة رقبةٍ مائلة قليلاً نحو اليسار، كتفان مستقرّان، وما يشبه كتاباً — أو يدين مطويّتين — في حضنها. الرأس مائلٌ بزاوية من يستمع إلى شيء لا يسمعه أحد غيره.
وضع الفرشاة. لم تسقط من يده، بل وضعها بهدوء على حافة الطاولة المعدنيّة حيث تُجفَّف الأدوات، ووقف.
الظلّ لم يتحرّك.
مشى نحو الجدار. أربع خطوات على أرضيّة الإسمنت المطليّة ببقع الألوان القديمة — أحمرٌ جافّ هنا، أصفرُ مطفأ هناك، خريطة سنوات من الانسكابات التي لم ينظّفها يوماً. وقف على بُعد ذراع من الجدار. الجصّ أبيض، لكنّه ليس أبيض تماماً: فيه حبيبات رمليّة دقيقة تمنحه خشونةً تحت الأصابع إذا مررتَ يدك عليه، وفيه شقوق رفيعة كالأوعية الدموية تحت الجلد الشاحب.
مدّ يده. الظلّ لم يتزحزح. أصابعه لامست الجدار — الجصّ باردٌ، أبرد مما يجب في أيلول — وعبرت خلال الظلّ كما تعبر خلال أيّ عتمة. لا شيء تحته. لا حرارة، لا سماكة، لا نبض خفيّ.
ابتعد خطوة. نظر خلفه نحو النافذة. الشمس واطئة، برتقاليّة، محشورة في الشقّ الضيّق بين مبنيين كعين تُغلق ببطء. كان على الضوء أن يمرّ عبر ذلك الشقّ بالذات، وأن يصطدم بحافّة شيءٍ ما — عتبة نافذة في المبنى المقابل، أو عمود هوائيّ على السطح، أو حافة جدار — ليتقطّع ويُعاد تشكيله ويسقط هنا، بهذه الهيئة، على هذا الجدار.
هندسةٌ عمياء. لا أكثر.
أطفأ الأضواء الاصطناعيّة. المصباح الفلوريسنتيّ في السقف أصدر طقّة جافّة حين انطفأ، وتلاشى وميضه المزرقّ تاركاً المرسم لضوء الغروب وحده. الظلّ صار أكثر حدّة. الحوافّ تحدّدت كما يتحدّد وجهٌ حين تُزال عنه الإضاءة الزائدة.
جلس على الكرسيّ الخشبيّ المواجه للّوحة التي كان يعمل عليها — لوحة نصف مكتملة، مدينة ليليّة بألوان داكنة لم تعد تقول له شيئاً منذ أسابيع — وراقب.
الظلّ لا يتحرّك من تلقاء نفسه. لكنّ الشمس تتحرّك. ومع كلّ دقيقة، ينزاح القرص ملليمتراً نحو الأسفل، فيتمدّد الظلّ ببطءٍ مهيب على الجدار — يطول، ينسحب، يتّسع — بإيقاعٍ أبطأ من عقرب الساعة وأسرع من نموّ النباتات. كأنّها تتنفّس. كأنّ شيئاً فيها يتمطّى بكسل، يعدّل وضعيّته، يميل أكثر نحو الكتاب الذي في حضنها.
في الخارج، بوق سيارة بعيد. صوت أطفال يركضون في الزقاق تحت المرسم. رائحة الياسمين المتسلّق على سور البيت المجاور تختلط برائحة التربنتين التي لم تغادر الغرفة بعد. ذبابة اصطدمت بالنافذة المغلقة مرّتين ثمّ ابتعدت.
كنان لم يرسم. لم ينظر إلى اللوحة. جلس، والمسافة بين عينيه والجدار صارت هي الشيء الوحيد الذي يملأ الغرفة.
في السادسة تماماً، اختفت الشمس خلف المبنى المجاور. سحب الظلام سحّابته على الجدار دفعةً واحدة. لم يتلاشَ الظلّ بالتدريج — ابتُلع. كأنّ أحداً سحب ورقةً من تحت كأس ماء بحركة واحدة سريعة.
الجدار أبيض. فارغ. الجصّ الخشن والشقوق الرفيعة وحبيبات الرمل — كلّها في مكانها. لكنّ شيئاً غاب، شيئاً لم يكن موجوداً قبل ثلاث وأربعين دقيقة، لكنّ غيابه الآن ملأ الغرفة بفراغٍ له ثقل.
أشعل المصباح الفلوريسنتيّ. الطقّة الجافّة ذاتها. الوميض المزرقّ ذاته. رائحة التربنتين ذاتها. لكنّ المرسم بدا مختلفاً — كغرفة فندق بعد أن يغادرها النزيل، حيث الأثاث في مكانه والسرير مرتّب والمنشفة نظيفة، لكنّ شيئاً في الهواء يقول إنّ أحداً كان هنا.
في اليوم التالي، حاول الطلاء. خلط أبيض التيتانيوم مع قليل من الأوكر ليقترب من لون الجصّ الأصليّ، وبدأ بطلاء الجدار بفرشاة عريضة. الطلاء الرطب لمع تحت المصباح. رائحته الكيميائيّة الثقيلة غطّت على كلّ شيء آخر في الغرفة.
في الخامسة وسبع عشرة دقيقة، أطفأ المصباح.
الظلّ سقط فوق الطلاء الرطب. فوقه. لا خلفه، لا تحته، لا فيه. فوقه. مثل خيال يسقط على سطح بركة — مستقلّ عن العمق الذي تحته، غير مكترث بما يحاول أن يغطّيه.
أنزل الفرشاة. طلاء أبيض سقط على حذائه. لم ينظر إليه.
٢
صار يعرف الوقت من الضوء.
لا من الساعة المعلّقة فوق باب المرسم — ساعة بلاستيكيّة رخيصة بعقارب سوداء، تتأخّر ثلاث دقائق كلّ أسبوع — بل من الطريقة التي يتغيّر بها لون الجدار المقابل للنافذة مع تراجع الشمس. في الرابعة، يكون الضوء أبيض، محايداً، بلا شخصيّة. في الرابعة والنصف، تبدأ نغمةٌ صفراء خفيفة بالتسلّل إلى الزوايا. في الخامسة، يصبح الجدار ذهبيّاً بلون العسل القديم. وفي السابعة عشرة، تبدأ الحوافّ بالتشكّل.
في الأسبوع الثاني، أغلق هاتفه.
لم يكن قراراً. كان الهاتف يرنّ — طارق، غالباً، يسأل عن اللوحات — فيخفض الصوت. ثمّ يضعه مقلوباً على الطاولة. ثمّ في الدرج. ثمّ نسي أن يشحنه. ومات الهاتف بصمتٍ لم يلاحظه أحد.
نظّف الجدار. ليس بالطلاء هذه المرّة، بل بقطعة قماش مبلّلة بالماء فقط. مسح الجصّ بحركات بطيئة، دائريّة، كمن يمسح وجه نائم. أزال بقع الطلاء القديمة التي تناثرت عليه خلال السنوات — رذاذ أخضر من لوحة حديقة لم تُبَع، قطرة حمراء من بورتريه عمولة مملّة — حتّى صار الجدار أنظف ممّا كان منذ انتقل إلى هذا المرسم قبل سبع سنوات.
أعاد ترتيب الغرفة.
الحامل الخشبيّ الكبير الذي كان يقف أمام الجدار سحبه نحو الزاوية. اللوحة النصف مكتملة أسندها إلى الحائط بوجهها نحو الداخل. علب الألوان والأنابيب الملتوية والفُرش المنقوعة في برطمانات التربنتين — كلّها انزاحت نحو الأطراف، كأثاثٍ يُبعَد لإفساح مجال لضيف.
في المساحة الخالية أمام الجدار، وضع كرسيّاً.
ليس كرسيّه هو — كرسيّه الخشبيّ ذو المسند المائل الذي يجلس عليه حين يرسم. بل الكرسيّ الآخر. الكرسيّ القماشيّ القديم ذو اللون الزيتونيّ الباهت الذي كان مركوناً في الزاوية منذ سنوات، مغطّى بأكياس بلاستيكيّة وصحف قديمة. نفض عنه الغبار، وأحسّ بوبره الناعم تحت أصابعه، ووضعه في المكان الذي يسقط فيه الظلّ.
لم يجلس عليه. أبقاه فارغاً.
وجلس هو على كرسيّه في الطرف المقابل من الغرفة، وانتظر.
الانتظار كان له ملمس. في الساعة الأولى، كان خفيفاً كالهواء — مجرّد جلوس، مجرّد نظر نحو نافذة يتغيّر ضوؤها. في الساعة التي تلتها، بدأ يثقل. الصمت في الغرفة صار مادّة — شيء يمكن الاتّكاء عليه، شيء يملأ الفراغ بين الأثاث ويضغط على الأذنين كماء في حوض عميق. وفي الدقائق الأخيرة قبل الخامسة وسبع عشرة دقيقة، صار الانتظار حادّاً، مثل حافة مفتاحٍ تُدار في قفل ببطء.
ثمّ يظهر الظلّ.
ليس دفعةً واحدة. يبدأ كتكثّفٍ خفيف — منطقة على الجدار تصبح أغمق بدرجة واحدة من محيطها، كأنّ الجصّ في تلك البقعة أكثر رطوبة من الباقي. ثمّ تتحدّد الحوافّ، ببطء، كصورة فوتوغرافيّة تظهر في حوض التحميض: الكتفان أولاً، ثمّ انحناءة الرقبة، ثمّ الرأس المائل.
ثلاثٌ وأربعون دقيقة.
صار يعرف كلّ دقيقة منها. في الدقائق العشر الأولى، يكون الظلّ في أوضح صوره — حادّ، محدّد، كأنّه مقصوص من ورق أسود ومُلصق على الجدار. الضوء حوله ذهبيّ ودافئ، والتناقض بينهما يمنحه عمقاً يكاد يكون ثلاثيّ الأبعاد. في الدقائق العشرين التالية، يبدأ الظلّ بالتمدّد — ينسحب نحو الأسفل والجانب، يطول، يصبح أنحف، والحوافّ تفقد بعض حدّتها. في الدقائق الثلاث عشرة الأخيرة، يتمدّد حتّى يلامس الأرضيّة، وتبدأ الملامح بالذوبان — الكتفان يندمجان، والرأس يصبح مجرّد امتداد مائل، والكتاب في الحضن يفقد شكله. ثمّ ينطفئ كلّ شيء.
في إحدى تلك الأمسيات، بينما الظلّ في ذروة وضوحه والغرفة مغمورة بالضوء البرتقاليّ الأخير، سمع صوتاً على الدرج.
خطوات بطيئة، ثقيلة، صاعدة. ثمّ طَرقٌ على باب المرسم.
لم يتحرّك.
الطَّرق تكرّر. ثلاث ضربات متتالية، بإيقاع من ينتظر الردّ لا من يستعجله.
«كنان.»
صوت سلمى. الجارة العجوز التي تسكن الطابق الأرضيّ. صوتها يصعد عبر خشب الباب السميك كأنّه يأتي من غرفة مجاورة لا من الجهة الأخرى.
«كنان، سمعتك تتحدّث البارحة. هل كان معك أحد؟»
نظر نحو الظلّ. ثابتٌ على الجدار. الرأس مائل. الكتفان مستقرّان. إن فتح الباب، سيدخل الضوء الاصطناعيّ من ممرّ الدرج — المصباح الأصفر المتأرجح الذي لا يُطفأ أبداً — وستتلوّث زاوية الضوء.
«كان معي الصمت.»
توقّفت الخطوات. ثمّ عادت، نازلةً هذه المرّة. بطيئة. الدرجة الخشبيّة الرابعة أصدرت صريرها المعتاد. ثمّ باب الطابق الأرضيّ. ثمّ صمت.
التفت نحو الجدار.
الظلّ في مكانه. لكنّ الضوء تغيّر خلال ثوانٍ من الحديث — انزاح بمقدار لا يُرى بالعين إلا إذا كنتَ تراقبه كما يراقب كنان. الكتف الأيمن صار أوضح. الرأس مال درجةً أخرى نحو اليسار.
كأنّها التفتت.
٣
في الأسبوع الرابع، توقّف عن الرسم.
لم يكن الأمر مفاجئاً. كان يحدث بالتدريج، مثل ماء يتبخّر من صحن مكشوف — لا تلاحظ النقصان حتّى تجد الصحن فارغاً. اللوحة التي كان يعمل عليها بقيت مسندةً إلى الحائط بوجهها نحو الداخل. الأنابيب لم تُفتح. الفُرش جفّت في برطماناتها حتّى تصلّبت أطرافها وصارت كالأصابع الميّتة.
الفنّ بدا فجأةً فائضاً عن الحاجة. كلّ تلك السنوات من محاولة الإمساك بالضوء على قماش — مدن ليليّة، وجوه نساء مجهولات، حدائق مبلّلة بالمطر — كلّها بدت الآن كمحاولات تقريبيّة لشيءٍ يحدث على هذا الجدار كلّ مساء بلا جهد، بلا نيّة، بلا ادّعاء.
الظلّ لم يكن عملاً فنيّاً. كان حضوراً. والفرق بينهما هو الفرق بين صورة الماء والعطش.
حاول مرّةً واحدة أن يرسمها. فتح دفتر الاسكتشات، وأمسك قلم الفحم، وجلس أمام الجدار في الدقائق العشر الأولى حين تكون الحوافّ أوضح ما يمكن. بدأ بالكتف الأيمن — الخطّ المنحني الذي ينزل من الرقبة نحو الذراع — لكنّ القلم أنتج مجرّد منحنى على ورق. خطّ أسود على أبيض. لا عمق، لا ضوء حوله يمنحه هالة، لا جدار خشن تحته يمنحه ملمس الحقيقة.
مزّق الصفحة. أغلق الدفتر. لم يفتحه بعدها.
صار يتحدّث.
ليس بصوت عالٍ. ليس كمن يتحدّث إلى شخص في الغرفة. بل بصوت منخفض، متقطّع، أقرب إلى التفكير بصوت مسموع — كما يفعل من يعيش وحده زمناً طويلاً ويفقد الحدّ الفاصل بين ما هو داخليّ وما هو خارجيّ.
كان يتحدّث عن أشياء صغيرة. عن رائحة القهوة التي صنعها في الصباح ولم يشربها. عن الصوت الذي يصدره الحمام على حافة نافذة المطبخ كلّ فجر. عن اللون الذي لم يستطع خلطه يوماً — نوع من الأزرق الرماديّ الذي يظهر في السماء قبل المطر بدقائق ولا يبقى إلا ثوانٍ.
الظلّ لا يجيب. الظلّ لا يقاطع. الظلّ لا يُطالب بتوضيح، ولا يبتسم في غير موضعه، ولا يحوّل الحديث نحو نفسه.
إنّها لا تطلب شيئاً. هذا هو ما لم يستطع تسميته.
في إحدى تلك الأمسيات، جاء اسم ندى.
لم يستدعِه. جاء وحده، مربوطاً برائحة — شيء في الهواء، ربّما الياسمين من الحديقة المجاورة، أو ربّما شيء أقدم — جعل أصابعه تنقبض على ذراع الكرسيّ. ندى التي كانت تتحدّث كثيراً. ندى التي كانت تريد أن تعرف ماذا يعني هذا اللون، وماذا تعني تلك اللوحة، وماذا يعني أنّه لم يتّصل ثلاثة أيام. ندى التي قالت ذات مرّة — كانا في مطعم، وملعقتها تطرق حافّة الصحن بإيقاع عصبيّ — إنّه يحبّ أفكاره عن الناس أكثر ممّا يحبّ الناس أنفسهم.
لم يردّ يومها. أخذ رشفة من الماء ونظر إلى الشارع من النافذة. ولم تُذكر الجملة مرّة أخرى، لكنّها عاشت في مكانٍ ما — ربّما في ملمس كأس الماء البارد، أو في الطريقة التي بدا بها الشارع ذلك المساء حين عاد وحده تحت مطر خفيف.
هاتفها رنّ مرّة.
كان الهاتف قد مات منذ أسابيع. لكنّه شحنه يوماً لأنّه كان يبحث عن رقم طارق — سبب نسيه فوراً — ووجد ثلاث مكالمات فائتة ورسالة صوتيّة. رقم ندى. رسالة صوتيّة مدّتها إحدى عشرة ثانية. لم يستمع إليها. أعاد الهاتف إلى الدرج. الدرج أصدر صوت انزلاقٍ خشبيّ جافّ حين أغلقه.
في المرسم، الظلّ مستقرّ على الجدار. الكتف الأيمن. الرأس المائل. الكتاب في الحضن. لا مطالب. لا رسائل صوتيّة. لا أسئلة عن المعنى.
٤
في الأسبوع السابع، جاء طارق.
لم يطرق الباب. فتحه. المفتاح الاحتياطيّ الذي تركه كنان عنده منذ سنوات — «في حالة الطوارئ» — عمل من المحاولة الأولى. القفل أصدر صوتاً معدنيّاً حادّاً قطع صمت الغرفة كشظيّة زجاج.
كنان كان جالساً على كرسيّه. الساعة الخامسة وإحدى وعشرون دقيقة. الظلّ في دقائقه الأولى، في ذروة وضوحه.
«سبعة أسابيع.»
صوت طارق من عند الباب. لم يدخل بعد. يقف عند العتبة، يد على مقبض الباب المفتوح، والضوء الأصفر الباهت من ممرّ الدرج يمتدّ خلفه كمسرح قديم.
«سبعة أسابيع بلا ردّ. لا هاتف، لا لوحات، لا شيء. طلال يسأل عنك. المعرض في تشرين.»
دخل خطوة واحدة. حذاؤه — جلد بنّيّ أنيق، نوع الأحذية التي يرتديها من يعيش في عالم المواعيد والعقود والعمولات — أصدر صوتاً مكتوماً على إسمنت الأرضيّة.
«ما الذي...»
ثمّ رأى الغرفة.
الحامل في الزاوية. اللوحات مقلوبة. الأنابيب جافّة. الفُرش كالعيدان المكسورة في برطماناتها. والجدار الخلفيّ — نظيف، فارغ، أبيض — يتوسّطه كرسيّ قماشيّ قديم لا يجلس عليه أحد. والضوء الذهبيّ يسقط من النافذة بزاوية واحدة، ضيّقة، وعلى الجدار...
خطا طارق نحو الكرسيّ الفارغ.
كنان قام.
لم يقم ببطء. وقف بسرعة صامتة، ومشى — ليس نحو طارق بل نحو المساحة بين طارق والجدار — ووضع نفسه في الطريق. ذراعاه على جانبيه، كتفاه مستقيمتان، ظهره نحو الجدار.
طارق توقّف.
«كنان.»
«لا تدُس هناك.»
صمت.
طارق نظر إلى الأرضيّة. لا شيء عليها. إسمنت نظيف. لا سجّاد، لا لوحة ساقطة، لا أداة يُخشى عليها. نظر خلف كنان نحو الجدار — بقعة ضوء وظلّ، نمط غير واضح من مسافته، يمكن أن يكون أيّ شيء: ظلّ أثاث، ظلّ شيء على السطح، لعبة ضوء.
«ماذا يحدث لك؟»
كنان لم يتحرّك.
طارق نظر حوله مرّة أخرى. الأنابيب الجافّة. الفُرش الميّتة. الصمت الذي يملأ الغرفة كسائل ثقيل. ثمّ عاد نظره إلى كنان — واقفاً أمام جدار فارغ يحمي شيئاً لا يراه أحد غيره.
«الجدران الفارغة لا تُباع يا كنان. أنت ترسم العدم.»
«أنت تبحث عن لوحات لتبيعها. وأنا أبحث عن الضوء. نحن لا نتحدّث نفس اللغة.»
وقف الاثنان في صمتٍ أطول ممّا ينبغي. ضوء الغروب يضعف. الظلّ خلف كنان يتمدّد — يطول، ينزلق نحو الأسفل — والوقت يمرّ.
خرج طارق. أغلق الباب بهدوء، لكنّ القفل أصدر صوته المعدنيّ الحادّ مرّة أخرى. خطواته على الدرج: سريعة، غاضبة، كلّ درجة تئنّ تحته.
كنان عاد إلى كرسيّه. الظلّ في دقائقه الأخيرة. الحوافّ تذوب. الملامح تندمج. الكتاب يفقد شكله.
في تلك الليلة، بعد أن اختفى الظلّ وأُضيء المصباح الفلوريسنتيّ وعاد الوميض المزرقّ إلى الغرفة، فتح كنان حاسوبه القديم للمرّة الأولى منذ أسابيع. بحث عن شيء واحد: تاريخ الانقلاب الشتويّ.
واحد وعشرون كانون الأول.
ثلاثة أشهر. تسعون يوماً تقريباً. بعدها، ستتغيّر زاوية الشمس بما يكفي لتغيير كلّ شيء — ارتفاع القرص عند الأفق، مسار الشعاع عبر الشقّ بين المبنيين، الزاوية التي يسقط بها الضوء على الجدار. الظلّ سيتحرّك. سيصبح أقصر، أو ينزاح نحو اليسار، أو يفقد شكله، أو لا يظهر أصلاً.
أغلق الحاسوب. الشاشة انطفأت بوميضٍ أزرق قصير — يشبه، للحظة واحدة، الوميض الذي يسبق ظهور الظلّ.
٥
في الأسبوع الحادي عشر، بدأ يلاحظ.
ليس شيئاً جديداً. بل شيئاً ناقصاً. الظلّ يصل متأخّراً — دقيقة واحدة في البداية، ثمّ ثلاث، ثمّ خمس. والحوافّ ليست كما كانت. الكتف الأيمن الذي كان واضحاً كنحت على حجر صار ضبابيّاً، ممزوجاً بالضوء المحيط. والثلاث وأربعون دقيقة صارت أربعين، ثمّ سبعاً وثلاثين.
الشمس تنخفض.
ليس بالمعنى اليوميّ — ذلك الغروب الذي يأتي كلّ مساء ويعود كلّ صباح — بل بالمعنى الفلكيّ، البطيء، الذي لا يُلاحَظ إلا إذا كنتَ ترسم حدود ظلّ على جدار يوماً بعد يوم. الأرض تميل. المسافة بين الضوء والشقّ الذي يمرّ منه تتّسع ملليمتراً كلّ أسبوع.
بدأ بالقياس. خطوط رفيعة بقلم رصاص على الجدار تحدّد أعلى نقطة في الظلّ وأدناها كلّ مساء. سلسلة من العلامات تتقلّص، تنزل، تنحرف — كمنحنى بيانيّ يهبط نحو الصفر.
في الليل، يجلس أمام الجدار الفارغ ويمرّ بأصبعه على العلامات كمن يقرأ بطريقة برايل قصّة مكتوبة بلغة لا يريد أن يفهمها.
ثمّ جاءت ليلة المصابيح.
اشتراها من متجر الأدوات الكهربائيّة في شارع الملك — ثلاثة مصابيح هالوجين بقوّة خمسمئة واط لكلّ منها، مع حوامل معدنيّة قابلة للتعديل. حملها إلى المرسم في أكياس بلاستيكيّة ثقيلة أحدثت صوتاً جافّاً على درجات السلّم. ركّبها. توصيلات كهربائيّة متشعّبة على الأرض كعروق سوداء. حرارة المصابيح بدأت تملأ الغرفة فوراً — حرارة جافّة، اصطناعيّة، بلا رائحة الدفء.
أطفأ كلّ شيء. ثمّ وجّه المصباح الأوّل نحو الجدار من الزاوية التي يأتي منها ضوء الشمس عادةً.
ظلّ.
لكنّه ليس ظلّها. ظلّ المصباح حادّ أكثر ممّا يجب — حوافّه مقطوعة كبالسكّين، بلا التدرّج الذي يمنحه ضوء الشمس. ولونه خطأ: رماديّ بارد بدل الرماديّ الدافئ الذي يمتزج فيه الذهبيّ والبنفسجيّ في دقائق الغروب. والأسوأ: لا حركة. ظلّ المصباح ثابت، ميّت، مسطّح. لا تنفّس بطيء، لا انزياح غير محسوس، لا ذلك الوهم بالحياة الذي يمنحه انخفاض الشمس المستمرّ.
حرّك المصباح. يميناً. يساراً. أعلى. أسفل. الظلال تتقافز على الجدار كدمى مجنونة — أشكال بلا معنى، بقع عشوائيّة، رقص أسود على أبيض. لا شيء منها يشبهها.
المصباح الثاني. زاوية مختلفة. الظلال تتضاعف وتتقاطع وتخلق أنماطاً لم يرَها من قبل — لكنّها كلّها كاذبة. المصباح الثالث. الغرفة صارت ساخنة حتّى بدأ العرق ينزل على صدغيه ويقطر على ياقة قميصه. الضوء الاصطناعيّ الأبيض لا يملك ما تملكه الشمس — لا اللون، لا الزاوية المتغيّرة، لا ذلك الشيء الذي ليس له اسم والذي يجعل ظلّاً على جدار يبدو كائناً.
وقف في وسط الغرفة، محاطاً بثلاثة مصابيح تطبخ الهواء، وظلاله هو — ظلاله الثلاثة — ممتدّة على الجدار في اتّجاهات مختلفة كأشباح مشوّهة.
ثمّ نظر إلى النافذة.
النافذة التي يدخل منها الضوء. الشقّ بين المبنيين الذي يسمح لشعاع الغروب بالمرور. إذا كان الشقّ أوسع — إذا كانت النافذة أكبر — فربّما يدخل ضوء كافٍ حتّى في الشتاء. ربّما تبقى الزاوية قريبة بما يكفي. ربّما لا يتغيّر شيء.
أمسك بالكرسيّ الخشبيّ — كرسيّه هو، ليس كرسيّها — ورفعه.
الزجاج انفجر نحو الخارج.
لم يكن انفجاراً واحداً. كان سلسلة من الأصوات — الكرسيّ يضرب الزجاج، الزجاج يتشقّق ثمّ يتطاير، القطع تسقط على إفريز النافذة الخارجيّ بصوت رنين متتابع كأجراس مكسورة، ثمّ تسقط إلى الأسفل — ثلاثة طوابق — وترتطم بالإسفلت. من الشارع، صوت مكتوم لزجاج ينكسر مرّة أخيرة على سطح صلب.
الهواء البارد اندفع إلى الداخل. تشرين الثاني. الليل. الهواء حادّ، يحمل رائحة المطر القادم ورائحة عوادم السيارات ورائحة الياسمين المتسلّق الذي بدأ يفقد أوراقه.
الإطار الخشبيّ للنافذة تشقّق. قطعة كبيرة انفصلت وسقطت إلى الداخل، وتعلّقت في التوصيلات الكهربائيّة على الأرض.
كنان وقف ممسكاً بالكرسيّ — ساق واحدة مكسورة تتدلّى — والهواء البارد يلفح وجهه والزجاج المتطاير ترك خدشاً رفيعاً على يده اليسرى ينزّ دماً رقيقاً.
لم ينظر إلى يده.
نظر إلى الجدار.
المصابيح الثلاثة ما زالت مشتعلة. النافذة المحطّمة لم تُدخل ضوء شمس — الشمس غابت منذ ساعات. ما أدخلته هو الظلام. والبرد. والصوت البعيد لسيّارة إسعاف في مكانٍ ما من المدينة.
والجدار أبيض. فارغ. العلامات الرفيعة بقلم الرصاص — سلسلة القياسات المتقلّصة — مرئيّة تحت الضوء الاصطناعيّ كخدوشٍ على جلد.
أنزل الكرسيّ. الساق المكسورة سقطت على الأرض بصوتٍ خشبيّ جافّ.
٦
في صباح اليوم التالي، أتى الرجل من شركة الزجاج.
لم يتّصل به كنان. لا بدّ أنّ سلمى هي من اتّصلت، أو صاحب المبنى الذي رأى الزجاج المتناثر على الرصيف. الرجل ركّب لوحاً خشبيّاً مؤقّتاً مكان النافذة المكسورة، مُمسكاً المسامير بين شفتيه وهو يطرقها في الإطار. طقّ. طقّ. طقّ. كلّ مسمار يغوص في الخشب بثلاث ضربات.
حين انتهى، أصبحت الغرفة أكثر عتمة. اللوح الخشبيّ أغلق نصف النافذة — النصف العلويّ، حيث يمكن للضوء أن يمرّ بلا عائق. النصف السفليّ ما زال زجاجاً مشقّقاً مثبّتاً بشريط لاصق عريض.
في الخامسة وسبع عشرة دقيقة، أطفأ المصباح الفلوريسنتيّ. الطقّة الجافّة. الوميض المزرقّ يتلاشى.
الضوء الذي دخل من النصف السفليّ للنافذة كان ضعيفاً. كسولاً. لا يملك القوّة الكافية لاختراق المسافة بين النافذة والجدار الخلفيّ. سقط على الأرض في بقعة صغيرة ذهبيّة، ولم يصل إلى الجدار.
الجدار أبيض.
فارغ.
الكرسيّ القماشيّ ذو اللون الزيتونيّ الباهت ما زال في مكانه، في المساحة الخالية التي كانت تسقط فيها. الوبر الناعم مغبَّر قليلاً. مقعده مجعّد في الوسط بشكل دائم من سنوات الجلوس التي سبقت وصوله إلى هذا المرسم.
لكنّ لا أحد يجلس عليه. ولا ظلّ أحد.
كنان جلس على الأرض. لا على كرسيّه — كرسيّه ذو الساق المكسورة ملقى في الزاوية — بل على الأرض، ظهره إلى الجدار الجانبيّ، ركبتاه مثنيّتان أمام صدره. الإسمنت بارد تحته. الخدش على يده اليسرى جفّ وتقشّر وترك خطّاً بنيّاً رفيعاً.
بقعة الضوء الذهبيّة على الأرض تتقلّص. الشمس تنخفض خلف المبنى المقابل. الضوء يتراجع نحو النافذة كحيوانٍ يُسحب من ذيله.
ثمّ انطفأ.
ظلام.
ليس ظلاماً تامّاً — ضوء الشارع يتسلّل من حواف اللوح الخشبيّ، ضوء برتقاليّ باهت يرسم خطوطاً رفيعة على الجدران كأصابع تبحث عن شيء في الظلام. والمصابيح الهالوجين الثلاثة ما زالت موجودة على الأرض بتوصيلاتها المتشعّبة، لكنّها مطفأة، باردة، بلا نفع.
في الصمت، الأصوات الصغيرة تتكاثر: أنابيب المياه في الجدران تصدر أزيزاً خفيفاً. خطوات سلمى في الطابق الأرضيّ — بطيئة، متردّدة، كأنّها تمشي في غرفة مظلمة. صوت تلفزيون بعيد، مكتوم، يأتي من شقّة في المبنى المجاور. وأنفاس كنان — بطيئة، منتظمة، كأنّ صدره يتبع إيقاعاً لا علاقة له بما حدث.
مرّر أصابعه على الجدار خلفه. الجصّ الخشن. الحبيبات الرمليّة الدقيقة تحت أطراف أصابعه. شقّ رفيع يمتدّ من الأرض نحو الأعلى — كان يعرفه من قبل، كان يمرّ فوقه كلّ يوم بلا اهتمام. لكنّه الآن يتتبّعه بإصبعه في الظلام، ببطء، كمن يتتبّع خطّاً على خريطة.
لا يعرف كم مضى من الوقت. ساعة. ربّما اثنتان. الظلام لم يتغيّر. الأصوات الصغيرة تتبدّل — التلفزيون أُطفئ، وخطوات سلمى توقّفت، وصار الصوت الوحيد هو أنابيب المياه والريح الخفيفة التي تدخل من حواف اللوح الخشبيّ.
على الطاولة المعدنيّة بالقرب منه، فرشاة. الفرشاة التي كان ينظّفها في اليوم الأوّل — يوم ظهور الظلّ — والتي لم يلمسها منذ ذلك الحين. أطرافها متصلّبة من التربنتين الجافّ. لمسها. الشعيرات صلبة تحت أصابعه كأسنان مشط قديم.
أمسكها.
لم يقم. بقي جالساً على الأرض، ظهره إلى الجدار، ممسكاً بفرشاة جافّة في يمناه. الخدش البنيّ على يسراه. ظلام الغرفة حوله. والجدار خلفه — الأبيض الذي كان يحمل ظلّها — بارد على عموده الفقريّ عبر القميص.
في الخارج، بدأ المطر.
أوّلاً كطرقات خفيفة على اللوح الخشبيّ — غير منتظمة، متباعدة، كأصابع شخص يفكّر وهو ينقر على طاولة. ثمّ تكاثفت. ثمّ صارت ستارة مستمرّة من الصوت، تمحو كلّ شيء آخر — أنابيب المياه، الريح، المدينة — وتملأ الغرفة بصوتها الأبيض الكثيف.
كنان أغمض عينيه.
ليس لأنّه كان يبحث عن النوم. بل لأنّ إغلاق العينين في الظلام ليس كإبقائها مفتوحة فيه. حين تُغلق عينيك في ظلمة تامّة، يتوقّف البحث. تتوقّف العين عن محاولة الرؤية. وفي تلك اللحظة — لحظة التوقّف — يصبح الظلام ملمساً آخر، كالجصّ، كوبر الكرسيّ، كالخدش البنيّ الجاف. شيء يمكن أن تسكنه.
رائحة المطر تدخل من شقوق اللوح الخشبيّ. رائحة إسفلت مبلّل، وتراب، وشيء أبعد — ياسمين رطب، ربّما، أو مجرّد ذاكرة ياسمين.
الفرشاة في يمناه.
الجدار خلفه.
والجدار أمامه — الجدار الخلفيّ الذي حمل الظلّ سبعة وسبعين يوماً — هناك في الظلام، أبيض لا يراه أحد.
بعد وقتٍ لا يعرف مقداره، رفع الفرشاة الجافّة في الهواء. لم يلمس بها شيئاً. رفعها فقط، بين أصابعه، في الظلام، كمن يرفع كأساً فارغاً في نخبٍ لا يشهده أحد.
ثمّ أنزلها.
والمطر يستمرّ.
ٍ






سردك يخليك تتفاعل وتعيش أجواء الرواية أبدعت
أحببت هذه الرواية لدرجة أنني لم أرغب في أن تنتهي. إبداع حقيقي
كعادتك وصف وأسلوب يفوقان الروعة
احسنت مبهر جدًا