السقف لا يهبط .. أنا من أرتفع نحوه .
في البداية ظننتُ أن الأمر خلل في القياس .. المسافة بين رأسي والسقف تتقلّص، سنتيمتراً كل أسبوع، وأنا الوحيد الذي يلاحظ .. الجيران في الأعلى يُقيمون حفلاتهم، أسمع الضحك يتسرّب من الشقوق، وقع الأقدام، صوت كعب يدور على البلاط .. لا أحد منهم ينظر تحت قدميه ليرى أن الأرضية التي يرقصون عليها سقفي أنا.
والشقوق—
لا أذكر متى رأيتُها أول مرة .. ربما كانت هناك دائماً .. ربما أنا من فتح عينيه بعد سنوات من النوم المتعمَّد .. الشرخ الأول قرب الزاوية الشمالية، خط رفيع كخيط العنكبوت، بالكاد يُرى. لكنني رأيتُه. ومن يرى خيطاً واحداً يبدأ بالبحث عن الشبكة كاملة.
الآن أعرف الشقوق بأسمائها .. هذا الذي يمتد من النافذة سمّيتُه “الوقت” .. وذاك المتعرّج فوق السرير مباشرة، “الأسئلة التي لم أطرحها على أبي قبل أن يموت” .. أما الشرخ الأكبر، الذي يشقّ السقف من الشرق إلى الغرب كخط استواء معطوب، فلا اسم له. بعض الأشياء أثقل من أن تُسمّى.
“لماذا تنظر إلى السقف هكذا؟”
سألتني مرة .. كنّا نجلس، وكان الضوء خافتاً، وكنتُ أتتبّع بعيني ذلك الخيط الرفيع الذي لا تراه.
“لا شيء.”
قلتُها وأنا أعرف أنها كذبة .. لكن كيف أشرح؟ كيف أقول إن السقف يتكلم، إنه يحكي قصة البناء كله، إن كل شرخ اعتراف؟ كيف أقول إنني أحمل هذا السقف على كتفيّ منذ سنوات، بينما هي ترى سطحاً أبيض مستوياً، نظيفاً، لا يقول شيئاً؟
الذين لا يرون الشقوق لا يحملون وزنها. ليسوا محظوظين، ولا مذنبين. فقط وُلدوا بعيون لا تلتقط الخيط الأول.
الجاذبية تشدّ الأشياء نحو الأسفل.. لكن هناك نوع آخر من الشدّ — أفقي، داخلي — يسحبك نحو كل شيء رأيته ولم يره غيرك .. لا يُقاس بالكيلوغرامات .. يُقاس بعدد المرات التي فتحتَ فيها فمك لتقول شيئاً، ثم أغلقته .. يُقاس بالمسافة بين ما تعرفه وما تستطيع أن تشاركه.
هذا الثقل لا يضغط على الجسد فحسب.
يضغط على الوقت نفسه.
أحياناً أنام ثمان ساعات فأصحو كمن غفا لحظة .. وأحياناً أجلس دقيقة واحدة فتمرّ داخلي كعشرين عاماً لا مكان يتّسع لها — يمرّ فيها وجه أبي، ووجهها، ووجهي في المرآة حين كنتُ طفلاً أظن أن السقف بعيد جداً.
الرؤية تُشوّه الزمن. من يرى أعمق، يعيش أبطأ.
في الطابق العلوي، تستمر الحفلة.
أسمعهم يضحكون .. أسمع الموسيقى المكتومة .. أسمع شيئاً يسقط — كأساً ربما — ثم ضحكة تمتص الصوت .. لا أحد يصمت لينظر إلى الأرض .. لا أحد يتساءل: ماذا يوجد تحت أقدامنا؟
لستُ غاضباً منهم. الغضب يتطلب طاقة صرفتُها منذ سنوات على النظر. أنا فقط ... أراقب .. أحسب المسافة بين الفرح والفراغ .. أتتبع الخط غير المرئي الذي يفصل بين من يرقص ومن يحمل الأرضية التي يُرقص عليها.
وأفكر أحياناً: هل هناك من يسمعني أمشي فوقه؟
ربما هو الآن يسمع خطوتي كما أسمع ضحكهم — صوتاً مكتوماً يمرّ عبر الإسمنت مثل نبضة ضائعة .. ربما يرى شقوقاً في سقفه بسببي أنا .. ربما يرفع رأسه الآن، يتتبع شرخاً رفيعاً فوق سريره، ويسأل نفسه: من هذا الذي يمشي فوقي ولا يعرف أنني أحمله؟
قالوا لي مرة: “انظروا إليه، لقد انكسر”
لم أصحّح لهم .. ما الفائدة؟
الانكسار في قاموسهم يعني الضعف .. يعني الفشل في الوقوف .. يعني شيئاً حدث فجأة، ضربة واحدة، صوت زجاج، ثم سقوط.
لكنني لم أنكسر.
أنا انحنيت.
ببطء، سنتيمتراً كل أسبوع، مثل السقف الذي يهبط — أو مثلي وأنا أرتفع نحوه .. لم تكن ضربة .. كان تراكماً .. كل شرخ رأيته أضاف غراماً .. كل سؤال لم أستطع مشاركته أضاف غراماً آخر .. كل مرة نظرتُ فيها إلى سقف أبيض ورأيتُ خريطة لم يرسمها أحد، ازداد الحِمل قليلاً.
الانحناء ليس ضعفاً.
الانحناء هو الشكل الذي يتخذه الجسد حين يحمل ما لا يُرى.
أتساءل أحياناً: ماذا لو أغلقت عينيّ؟
ماذا لو قررتُ ألا أرى الشقوق؟ ماذا لو تعلّمتُ فنّ التعامي، ذلك الذي يُجيده الآخرون بلا جهد، كأنه حاسّة سادسة وُلدوا بها وحُرمتُ منها؟ ماذا لو صعدتُ إلى الطابق العلوي، وانضممتُ إلى الحفلة، ورقصتُ على الأرضية دون أن أفكر فيمن يقف تحتها؟
لكنني أعرف الجواب.
الرؤية ليست خياراً يُفتح ويُغلق. من يرى مرة لا يستطيع أن يعود. العين التي انفتحت على الشقوق لا تنسى شكلها .. تتعب، نعم .. تدمع من فرط النظر .. تُغمض أحياناً هرباً .. لكنها في الظلام — خصوصاً في الظلام — ترى أوضح.
هذا هو السر الذي لا يعرفونه:
السقف لا يهبط على المكتئبين. السقف يهبط على من يرون. الثقل ليس مرضاً. إنه نتيجة. إنه الوزن المتراكم من كل شرخ، كل تفصيلة، كل حقيقة دخلت إلى الوعي دون استئذان ورفضت أن تخرج.
من يرى أكثر، يحمل أكثر.
ومن يحمل أكثر، يصبح هو نفسه سقفاً لمن فوقه.
هكذا يعمل العالم: طبقات فوق طبقات .. بشر يرقصون فوق بشر يحملون فوق بشر انسحقوا ولم يعد أحد يذكر أسماءهم. والجميع يظن أنه يقف على أرض صلبة.
الضحك في الأعلى يخفُت.
ربما انتهت الحفلة .. ربما حان وقت النوم .. ربما أحدهم — أخيراً — نظر إلى الأرض ورأى شيئاً .. خيطاً رفيعاً .. شرخاً بالكاد يُلمح .. وسأل نفسه للمرة الأولى: ما هذا؟
أو ربما لا.
ربما أطفأوا الأنوار ببساطة، وناموا على أسرّة لا تعرف شيئاً عن الطوابق السفلية، ولا عن الطوابق الأكثر سفلية، ولا عن الأساسات التي تتصدّع في صمت.
على الكرسي المقابل، ما زال هناك انبعاج خفيف في القماش .. أثر جلستها .. لم تعد هنا منذ وقت، لكن الكرسي يتذكر. أنظر إليه أحياناً وأتساءل: هل كانت ترى الشقوق ولا تقول؟ أم أنها كانت ترى أنني أراها ... وهذا ما أخافها؟
أمدّ يدي نحو السقف.
بيني وبينه الآن مسافة أقل من ذراع .. أستطيع أن ألمس الشرخ الكبير لو أردت .. أن أتتبع بإصبعي ذلك الخط الذي يشقّ الأبيض من الشرق إلى الغرب. لكنني لا أفعل.
بعض الشقوق يكفي أن تراها.
لمسُها يعني أنك قبلتَ حملها إلى الأبد.
أُنزل يدي.
أُطفئ الضوء.
وفي الظلام، أسمع السقف يتنفس.
ببطء .. بصبر.
كمن ينتظر أن أرفع يدي مرة أخرى.
By : Sultan Husayyan



