ما بين الإصبع وانعكاسه
-
الزجاج يعرف.
أقف أمامها — لا، لا أقف.
أُوضَع.
شيءٌ ما يسحبني إلى هذا المربّع من الأرض كل ليلة، المربّع نفسه الذي بهتت فيه ألوان البلاط من كثرة ما وقفتُ عليه ثم انصرفت دون أن أرفع عينيّ.
الغرفة خلفي تتنفس ببطء. أسمعها.
جدران تتمدّد وتنكمش كأنها قفص صدري لا يخصّني.
المرآة ليست مسطّحة.
أعرف هذا لأنني حين أقترب — وأقترب دائمًا أكثر مما ينبغي — أرى الزجاج ينحني.
انحناءة طفيفة عند الزاوية اليمنى، كأن شيئًا من الداخل يضغط.
الغبار على الإطار ليس غبارًا عاديًا؛ له قوام الطحين المبلّل، يلتصق بالإصبع ولا يُنفَض.
كم مرة مسحتُ هذا الإطار.
كم مرة عاد الغبار أكثف.
لا أنظر مباشرة.
أبدأ من الأطراف.
ياقة القميص أولاً — بيضاء، أو هكذا أظنّها.
في المرآة تبدو مائلة إلى الأصفر، أصفر لا علاقة له بالزمن، أصفر من الداخل، كأن العرق الذي تشرّبه القماش لم يكن عرقًا بل شيئًا أثقل.
ثم الكتفان.
في خيالي أحملهما مستقيمين، لكن الزجاج يقول غير ذلك: كتف أخفض من الآخر، ميلان طفيف نحو اليسار، كأنني أحمل على الجهة اليمنى ما لا أريد أن أسمّيه.
ثم الوجه.
هنا تبدأ المسافة بين ما أعرفه وما أراه.
في الظلام — وغرفتي مظلمة دائمًا عند هذه الساعة — الملامح تتآكل.
العينان أولاً: أعرف أنهما عينايَ لأنني أرمش فترمشان.
لكنهما تنظران بطريقة لا أتعرّف عليها.
ليست نظرة شخص يرى نفسه.
نظرة شخص يتذكّر شخصًا آخر.
والتجاعيد — لا، ليست تجاعيد.
خطوط.
أخاديد.
خريطة لأماكن لم أزرها لكنني ارتكبتُ فيها أشياء.
هذا الخطّ عند زاوية الفم ليس من الضحك.
الضحك لا يحفر بهذا العمق.
هذا الخطّ من كلمة قلتُها لشخص كان يثق بي، كلمة دخلت فيه كما يدخل الماء في الشقوق ثم تجمّد.
أمدّ يدي.
الزجاج أبرد مما ينبغي لشيء في غرفة مغلقة منذ ساعات.
برودة لا تأتي من الخارج.
برودة تأتي مما خلفه — أو مما فيه.
أضغط بإصبعي.
الزجاج لا يعطي شيئًا.
صلب. محايد.
وبين إصبعي وانعكاس إصبعي مسافة لا تُقاس بالمليمترات بل بكل ما قضيته أبني حائطًا شفافًا بيني وبين ما أعرفه عن نفسي.
الذاكرة لها ملمس هنا.
ليست صورًا في الرأس.
الذاكرة شيء تجده تحت الأظافر حين تحكّ سطح المرآة.
شيء لزج ودافئ قليلًا — كدم جفّ منذ وقت لكنه لم يتقشّر بعد.
أحاول أن أمسحه فيتمدّد.
أحاول أن أزيحه بظفري فيتشرّب أكثر في الزجاج، كأن الزجاج يبتلعه ليحتفظ به، كأنه يقول: هذا ليس لك لتمحوه.
الصورة في رأسي مختلفة تمامًا.
في رأسي — في ذلك المسرح الصغير المضاء الذي أديره بنفسي وأجلس في صفوفه وحيدًا وأصفّق لنفسي — أنا شخص آخر.
الأكتاف مستقيمة. العينان واضحتان. الفم لم يؤذِ أحدًا.
في ذلك المسرح أنا الرجل الذي فعل ما استطاع، الرجل الذي لم يكن أمامه خيار، الرجل الذي أحبّ — أو حاول أن يحبّ — أو نوى أن يحبّ — أو تذكّر بعد فوات الأوان أنه كان يجب أن يحبّ.
في ذلك المسرح كل خذلان له تبرير، وكل قسوة لها سياق، وكل غياب يُسمّى “ضرورة”.
لكن المرآة لا تعرف ذلك المسرح.
المرآة تعرف فقط الوجه الذي أمامها الآن.
الوجه الذي أطفأ هاتفه عمدًا حين كان أحدهم يحتاجه.
الوجه الذي مشى في الاتجاه المعاكس.
الوجه الذي رأى ما لا ينبغي أن يتجاهله ثم قال لنفسه: ليست مسؤوليتي.
صوتٌ ما يبدأ.
ليس في الأذن.
في مكانٍ أسفل — عند عظمة القصّ تقريبًا — كأن شيئًا يُطوى ببطء.
ليس صوت تحطّم.
التحطّم يحدث دفعة واحدة ثم يصمت.
هذا صوت مادة تنثني حتى تبيضّ عند نقطة الانحناء ثم تستمر في الانثناء.
صوت مستمرّ.
صريرٌ خافت كأن أحدًا يمسك عظمةً رفيعة بين إصبعين ويعصرها بلا عجلة.
هذا هو صوت أن ترى نفسك — نفسك فعلاً — وتعجز عن الإنكار لثانية واحدة.
ثانية كافية.
ثانية واحدة من هذه الرؤية تكفي لتفهم لماذا يكسر الناس مراياهم. ليس غضبًا.
الغضب يحتاج يقينًا، ولا يقين هنا. يكسرونها لأن الزجاج لا يفاوض.
لا يقبل النسخة المعدّلة.
لا يقول: ربما كنتَ محقًّا.
الزجاج يعكس فقط. يعكس بلا رحمة ولا عداء ولا حكم — وهذا هو الجزء الذي لا يُحتمل.
لو كان يحكم لكان بإمكاني أن أدافع عن نفسي.
لكنه لا يحكم. يُري فقط.
والرؤية أقسى من أي حكم.
يدي ترتفع.
ليس قرارًا. اليد ترتفع كما يرتفع الذراع لحماية الوجه من ضربة.
ردّ فعل.
الشظايا لم تسقط بعد وأنا أعرف كيف ستشعر في الراحة: حارّة أولاً — كل شيء حارّ لحظة الانكسار — ثم باردة جدًا، ثم الدم، الدم الذي لن يكون كثيرًا لكنه سيكون حقيقيًا، ربما الشيء الوحيد الحقيقي في هذه الغرفة.
لكنني لا أكسرها.
أغمض عينيّ بدلاً من ذلك.
أغمضهما ببطء، كمن يسحب ستارة على مشهد لا يريد أن ينتهي بقدر ما لا يريد أن يستمر.
الظلام خلف الجفنين ليس أسود.
بنفسجيّ داكن، تسبح فيه بقع ضوئية صغيرة — بقايا ما كنت أراه قبل لحظة.
وجهي يطفو هناك كصورة فوتوغرافية سقطت في ماء.
الملامح تذوب. التجاعيد تختفي. الأخاديد تمتلئ.
ببطء — ببطء شديد — يعود المسرح المضاء في رأسي إلى العمل.
أفتح عينيّ.
المرآة أمامي.
الغبار على الإطار.
البرودة في الزجاج.
وأنا — واقفٌ على المربّع ذاته من البلاط — أمسح الزجاج بكمّي.
ليس لأرى أوضح. بل لأحوّل ما أراه إلى ضبابة أرقّ.
ضبابة يمكنني أن أسمّيها “ضوءًا خافتًا”.
يمكنني أن أسمّيها “زاوية غير مناسبة”.
يمكنني أن أسمّيها أيّ شيء — أيّ شيء — إلا اسمها الحقيقي.
الزجاج يعرف.
لكنني لم أعد أسأله.
ِ
سلطان حسيان .





ابداع ماشاءالله.. شنو نوع الكتابات الي كذا.. كثير اشوف ناس يكتبون بنفس الأسلوب
👏