ما لا يُحسَب
قصة قصيرة
في مكانٍ ما بين ما يُقال وما يُقصد، يتعلّم أحدهم أن يقف.
الجزء الأوّل
في اليوم الأوّل، مدّ يده إلى الرجل الذي جلس بجواره في القاعة. قال: “أنا نائل.” ولم يقل شيئًا آخر، لأنّ الاسم — كما فهمه — هو ما يُعطى أوّلًا. مدّ يده مستقيمة، بأصابع مضمومة، كما رآهم يفعلون في التسجيلات. الرجل نظر إلى اليد لحظة أطول مما ينبغي، ثم صافحها.
“أهلًا. طارق.”
لاحظ نائل أنّ أصابع طارق لم تضغط. لمسَت يده وانسحبت، كأنها تكتفي بتأكيد أنّ الجسدَ الآخر موجود. سجّل هذا. المصافحة ليست فعل قوة. المصافحة فعل تسجيل حضور.
كان مكتب الشركة في الطابق التاسع. ضوء أبيض يسقط من سقف زائف، يوزّع الإنارة بالتساوي على كلّ شيء — الطاولات، الوجوه، الأكواب البلاستيكية — فلا يبقى ظلّ في المكان. غرفة بلا ظلال. كأنّ المكان مصمَّم لإلغاء العمق.
جلس في مكانه المخصّص. شاشة، لوحة مفاتيح، كوب ورقيّ فارغ تركه أحدهم قبله. رائحة القهوة القديمة عالقة فيه، باردة وحامضة قليلًا. لم يرمِه. لم يكن يعرف إن كان الكوب ينتمي لأحد.
في الساعة العاشرة، مرّت مريم. مديرة الفريق. لم تنظر إليه مباشرة، لكنّها خاطبته وهي تمشي: “إذا احتجت أيّ شيء، لا تتردّد.”
قال: “شكرًا.”
لكنّه سجّل الجملة كما هي: إذا احتجتُ شيئًا، لن أتردّد. هذا وعدٌ مفتوح. قبِله.
ثمّ لاحظ شيئًا. مريم لم تتوقف حين قالتها، لكنها أبطأت. خطوة واحدة أبطأ من إيقاع مشيها. نظرت إلى شاشة طارق — لا إلى طارق نفسه — نظرة قصيرة، خاطفة، كمن يتحقّق من شيء يعرفه سلفًا. ثمّ أكملت. لم يفهم نائل ما الذي كانت تتحقّق منه. لكنّه لاحظ أنّ مريم تعرف أشياء عن هذا المكان أكثر مما تقول. والأغرب: لا تبدو كمن يُخفي. تبدو كمن قرّر أنّ المعرفة نفسها لا تستحق الكلام.
في الأسبوع الأوّل، تعلّم نائل أنّ الناس يسألون أسئلة لا يريدون إجابات عنها.
“كيف حالك؟” سألته الموظّفة التي تجلس قبالته. كانت تنظر إلى شاشتها.
“أنا بحالة مستقرّة. الحرارة في المكتب مناسبة. لديّ سؤال عن صيغة الملف الذي —”
“تمام تمام.”
رفعت يدها بحركة صغيرة — ليست إشارة توقّف، بل شيء أقرب إلى إغلاق نافذة. نائل لم يفهم لماذا فُتحت النافذة أصلًا إن لم يكن المطلوب هواءً. لكنّه لم يسأل. سجّل: “كيف حالك” ليست سؤالًا. إنّها صوت يملأ المسافة بين شخصين قبل أن يتجاوز كلٌّ منهما الآخر.
طارق كان مختلفًا.
طارق كان يسأل ويبقى. يميل برأسه قليلًا إلى اليسار حين يستمع، وكأنّ أذنه اليسرى هي التي تفهم. يضحك بصوت قصير حادّ، كنقرة على سطح معدنيّ، ثمّ يعود إلى الصمت بسرعة مريبة. كان يجلس قريبًا — أقرب مما يجلس الآخرون — وأحيانًا يضع يده على كتف نائل حين يتحدّث إليه.
“أنت مختلف عن الباقي هنا.”
قالها طارق في اليوم الثالث، وهو يحرّك ملعقة في كوب لم يكن فيه سكّر. حركة دائريّة، بطيئة، بلا هدف. نائل نظر إلى الملعقة ثمّ إلى طارق.
“مختلف كيف؟”
“لا أعرف. صادق. تقول ما تعنيه.”
“أليس هذا ما يفعله الجميع؟”
ضحك طارق. النقرة المعدنيّة. ثمّ قال: “لا.”
لكنّه لم يشرح. ونائل لم يفهم لماذا “لا” تكفي كإجابة عن سؤال يحتاج سببًا. ثمّ فعل شيئًا لم يقرّره: أدار الملعقة في كوبه هو. الحركة نفسها. الدائرة نفسها. لم يكن فيه سكّر أيضًا. لاحظ ذلك بعد ثلاث دورات. وتوقّف.
في الأسبوع الثاني، بدأ طارق يطلب أشياء صغيرة.
“ممكن تنهي هذا التقرير بدلًا عنّي؟ أنا مشغول بمشروع مريم.”
نائل نظر إلى التقرير. ثمّ نظر إلى شاشة طارق. كانت مفتوحة على محادثة شخصيّة، النصّ صغير جدًّا ليُقرأ من هذه المسافة، لكنّ الألوان — فقاعات خضراء ورماديّة — لم تكن تشبه واجهة العمل.
لم يعلّق. ليس لأنّه لم يلاحظ. بل لأنّ طارق قال إنّه مشغول. والكلام — كما فهمه نائل — عقدٌ لفظيّ. إذا قال شخصٌ إنّه مشغول، فهو مشغول. لا حاجة لتفتيش ما وراء الكلمة.
أنهى التقرير.
في اليوم التالي، طارق ربّت على كتفه. اليد هذه المرّة أثقل، أبطأ. “أنت طيّب جدًّا، تعرف؟”
سجّل نائل: “طيّب جدًّا” = تقييم إيجابيّ للسلوك. لكنّ شيئًا في نبرة طارق لم يكن يشبه المديح تمامًا. كان فيها شيء آخر — ربّما الطريقة التي هبط بها صوته على كلمة “جدًّا”، كأنّها ثقل وُضع في نهاية الجملة بدل أن يُوزّع عليها. لم يستطع تصنيفه. تركه معلّقًا.
تكرّرت الطلبات. تقرير هنا، رسالة هناك، مراجعة ملفّ “سريعة” امتدّت ساعتين. نائل لم يرفض شيئًا. ليس لأنّه لا يستطيع. بل لأنّه لا يملك سببًا منطقيًّا للرفض. طارق يطلب، نائل قادر، النتيجة: ينفّذ. المعادلة واضحة.
لكنّ يديه صارتا تفعل أشياء لا يطلبها منها. حين يتناول ملفّ طارق، تتأخر أصابعه لحظة على حافّة الورق — لحظة قصيرة، أقصر من نَفَس — كأنّها تزن شيئًا قبل أن ترفعه. وحين يمشي إلى المصعد مساءً، كان يُمسك بحزام حقيبته أكثر مما يحتاج، كأنّ شيئًا قد يسقط إن أرخى قبضته. لم يكن يعرف ما الذي يحميه. لم يكن يعرف أنّه يحمي شيئًا أصلًا.
في يوم الأربعاء من الأسبوع الثالث، حدث شيء صغير.
كان نائل يحمل كوبين من القهوة — واحدًا له وواحدًا لطارق، كما صار يفعل كلّ صباح دون أن يطلب منه أحد. توقّف عند ذلك. لم يتذكّر متى بدأ هذا. لم يتذكّر أنّ طارق طلبه مرّة واحدة. الفعل ظهر وحده، كأنّه كان ينتظر في عضلاته قبل أن يصل إلى تفكيره.
كان يمشي في الممرّ حين سمع صوت طارق من خلف الجدار الزجاجيّ لغرفة الاجتماعات. كان يتحدّث مع مريم. الباب مغلق لكنّ الزجاج لا يمنع الصوت تمامًا — يخفضه فقط، يجعله أشبه بحديث يأتي من تحت الماء.
سمع اسمه.
“...يسوّيها بدون ما أطلب حتّى...”
ثمّ ضحكة. ليست نقرة هذه المرّة. شيء أعرض، أكثر رخاوة. وصوت مريم بعدها — ليس ضحكًا. شيء أقصر. ربّما كلمة واحدة لم يسمعها. ربّما صمت اختار ألّا يكون صمتًا.
وقف نائل. الكوبان في يديه. البخار يرتفع في خطّين رفيعين متوازيين. ثمّ لاحظ أنّ أصابعه — أصابعه هو — قد أغلقت على كوب طارق بقوّة أكبر. ليس كثيرًا. لكن بما يكفي لتغيير شكل الكرتون قليلًا. لم يقرّر ذلك. الأصابع فعلت ذلك وحدها، قبل أن يدرك أنّ هناك شيئًا يستدعي القبض.
أرخى يده. نظر إلى الكوب. التجعيد الصغير في جداره لم يختفِ.
ثمّ أكمل المشي. وضع الكوب على مكتب طارق. لكنّه هذه المرّة لم يقرّبه من حافّة الشاشة كما كان يفعل دائمًا. تركه في منتصف المكتب. مسافة صغيرة. سنتيمترات. لا شيء يلاحظه أحد.
لكنّه لاحظ.
جلس. فتح شاشته. سجّل: طارق كان—
لم تكتمل. ليس لأنّ المعنى ناقص. بل لأنّ الكلمة التالية كانت تحتاج شكلًا لم يصادفه بعد.
حاول أن يعود إلى النظام الذي عرفه — طلب، قدرة، تنفيذ — لكنّ شيئًا كان يعترض. ليس فكرة. أضيق من فكرة. كان أشبه بحصاة صغيرة دخلت في آليّة كانت تعمل بسلاسة. والحصاة كانت هذه:
طارق لم يكن ينتظر أن يُطلب. كان يعرف أنّ نائل سيفعل. يعرف مسبقًا. كما تعرف أنّ الآلة ستعمل حين تضغط الزرّ.
ليس: “طارق استغلّني.” لم تتشكّل.
بل: لأوّل مرّة، لم يعرف نائل إن كان الكلام الذي سمعه يُغيّر شيئًا في ما حدث أم يكشف فقط ما كان يحدث دائمًا.
القهوة في كوبه بردت. والتجعيد في كوب طارق ظلّ مطبوعًا على الكرتون كأثرٍ لم تنوِه اليد.
الجزء الثاني
في الليل، قلّب جسده على الجنب الآخر ثلاث مرّات. لم يكن ثمّة حلم أو فكرة تطارده. فقط: الجلد لا يرتاح على القماش. الوسادة لا تأخذ الشكل الذي تأخذه عادة. فتح عينيه في الظلام وأبقاهما مفتوحتين دون أن يبحث عن شيء. السقف كان هناك. الظلام كان هناك. لكنّ المسافة بينهما بدت مختلفة، كأنّ الغرفة غيّرت أبعادها بمقدار لا يكفي لتسميته لكنّه يكفي لتسجيله.
لم يسجّله.
في الصباح، وقف أمام آلة القهوة. مدّ يده إلى الكوب الأوّل. ملأه. ثمّ وقف.
يده لم تمتدّ إلى الكوب الثاني.
لم يقل في ذهنه: “لن أحضر القهوة لطارق.” ما حدث أبسط وأكثر إثارة للاضطراب: الفعل الذي كان تلقائيًّا صار يحتاج أمرًا. والأمر لم يصدر.
حمل كوبه ومشى إلى مكتبه. جلس. شرب. تمرّ دقائق. يشرب.
وصل طارق متأخّرًا بعشر دقائق. ألقى حقيبته على الكرسي. نظر إلى مكتبه — المساحة أمام الشاشة حيث يكون الكوب عادةً — ولم يقل شيئًا. لم يلتفت إلى نائل. لم يسأل. جلس، فتح الشاشة، وبعد نصف ساعة تقريبًا قام بنفسه ومشى إلى المطبخ.
عاد بكوب. جلس. شرب.
كأنّ شيئًا لم يحدث.
نائل راقب كلّ هذا من زاوية عينه، دون أن يدير رأسه. وما رآه لم يكن ردّ فعل. كان شيئًا أسوأ من ردّ الفعل: كان غيابه. طارق لم يُفاجأ. لم يعدّل شيئًا في ملامحه. قام وأحضر قهوته كما لو أنّ هذا كان ممكنًا دائمًا.
سجّل: طارق كان يستطيع أن—
سجّل: طارق كان يختار ألّا—
توقّف. الجملتان صحيحتان. كلتاهما. وهذا بالتحديد ما جعلهما غير قابلتين للاكتمال. في نظامه القديم، المعلومة إمّا صحيحة أو خاطئة. الآن: معلومتان صحيحتان تقولان شيئين مختلفين عن الفعل نفسه.
لم يعرف أين يضع ذلك.
عند الظهر، أرسل طارق رسالة على الشاشة. سطر واحد:
“تقدر تراجع ملف الميزانية قبل الاجتماع؟”
نائل قرأ الرسالة. ثمّ فعل شيئًا لم يفعله من قبل: لم يردّ فورًا.
لم يكن ثمّة كلمة “لا” في ذهنه. لكنّ يده لم تتحرّك إلى لوحة المفاتيح بالسرعة المعتادة. بقيت على الطاولة. ثانيتان. ثلاث. مدّة لا يحسبها أحد في عالم البشر، لكنّها كانت كافية لكي يشعر نائل بشيء جديد: الفراغ بين الطلب والاستجابة. مساحة لم تكن موجودة من قبل. صغيرة. ساكنة. لكنّها كانت ملكه.
ردّ: “أراجعه.”
لكنّه عرف أنّه لم يردّ كما كان يردّ. شيء تغيّر في المسافة بين السؤال والجواب. لا الكلمة تغيّرت ولا النتيجة. فقط: المسافة.
في اليوم الثالث بعد الأربعاء، مرّت مريم بمكتبه. لكنّها هذه المرّة توقّفت.
“نائل، التقرير الأخير الذي أرسلته — ملاحظاتك على الجداول دقيقة جدًا.”
نظر إليها. كان التقرير قد أُرسل قبل أسبوع. لم تعلّق عليه وقتها. لم يعلّق أحد.
“شكرًا.”
“لا، فعلًا. الأرقام كانت ستمرّ بأخطاء لولا مراجعتك.”
ثمّ سألته: “هل تحب القهوة هنا أم تفضّل نوعًا آخر؟”
السؤال بدا عشوائيًّا. لكنّه لم يكن كـ”كيف حالك”. كان فيه شيء محدّد. شيء يطلب إجابة حقيقية. لم يعرف نائل لماذا تسأله مريم عن نوع القهوة الآن، ولم يعرف لماذا يشعر أنّ السؤال ليس عن القهوة.
“القهوة هنا مقبولة.”
ابتسمت. ليست ابتسامة طارق — تلك كانت حادّة وقصيرة. ابتسامة مريم كانت أبطأ، تبدأ من العينين قبل أن تصل إلى الفم، ثمّ تنسحب بالتدريج كأنّها تعرف متى يجب أن تتوقّف.
مشت.
سجّل: مريم أعطتني ملاحظة إيجابية. سجّل: الملاحظة جاءت متأخّرة. سجّل: لا أعرف—
حذف السطر الأخير. ليس من شاشة. من ذهنه. أوّل مرّة يفعل ذلك: أن يبدأ تسجيلًا ثمّ يلغيه لأنّه لا يريد أن يعرف ما كان سيكتبه.
في اليوم الرابع، طلب طارق شيئًا آخر.
“الملف اللي كنت تشتغل عليه أمس — تعطيني نسخة؟ أبغى أشوف كيف نسّقت الأرقام.”
نائل نظر إليه. طارق كان يميل إلى الخلف في كرسيّه، ساقاه ممدودتان تحت المكتب، يداه مشبوكتان خلف رأسه. وضعية مفتوحة. مريحة. كأنّ الطلب لا يحتاج جهدًا من أيّ طرف.
“لا.”
خرجت الكلمة قبل أن يزنها. ليست حادّة. ليست معادية. كانت قصيرة فقط. مقطع واحد. هواء يخرج من الفم ويتوقّف.
طارق لم يتحرّك. لم يرفع حاجبيه. لم يبدّل وضعيته. فقط أبقى عينيه على نائل لحظة — لحظة واحدة أطول ممّا يفعل عادةً — ثمّ قال:
“أوكي. عادي.”
وعاد إلى شاشته.
نائل بقي ينظر إلى المكان الذي كان فيه وجه طارق قبل أن يلتفت. “عادي.” قالها بنبرة مسطّحة. لا انزعاج. لا مفاجأة. كأنّ “لا” كانت واردة دائمًا. كأنّها لا تُحدث شيئًا.
لكنّ شيئًا حدث.
حدث داخل نائل. ليس في ذهنه هذه المرّة. في يده اليمنى. كانت مضمومة تحت المكتب منذ أن قال “لا”، والآن بدأت تفتح ببطء، إصبعًا إصبعًا، كأنّها كانت تمسك بشيء وقرّرت أن تتركه. لم يكن يمسك بشيء. لكنّ اليد تصرّفت كأنّها كانت.
بعد ذلك بساعة، في ممرّ المطبخ، التقى بموظّف من قسم آخر لم يره من قبل. الرجل مدّ يده:
“مرحبًا. وليد.”
نائل نظر إلى اليد. ثمّ — قبل أن يمدّ يده — حدث تردّد. جزء من ثانية. شيء بين أن ترى اليد وأن تقرّر ملامستها. لم يكن موجودًا في المرّة الأولى حين صافح طارق. في ذلك اليوم، كانت اليد مدّت نفسها كما تُفتح نافذة. الآن: هناك سؤال يتشكّل في المسافة بين الرؤية والمدّ. سؤال لا كلمة له بعد. شيء أقرب إلى: ماذا ستفعل هذه اليد بي بعد أن أمسكها؟
صافحه. “نائل.”
الرجل ابتسم ومشى.
لكنّ نائل بقي واقفًا. يده التي صافحت ظلّت مرفوعة لجزء من ثانية بعد أن انسحبت يد الآخر. كأنّها لم تُبلَّغ بعد بانتهاء الفعل.
في نهاية ذلك اليوم، حدث شيء لم يتوقّعه.
كان يمشي إلى المصعد. طارق يمشي بجانبه. صمت بينهما. ليس صمت الأيام الأولى — ذاك كان فارغًا وطبيعيًا. هذا الصمت كان يشبه الورق: رقيق لكنّه يحجب. نائل يسمع خطوات طارق، يسمع صرير حذائه على البلاط، يحسّ بمسافة ذراع بينهما.
ثمّ قال طارق بلا سياق:
“بالمناسبة، ملف الميزانية اللي سألتك عنه — لقيته بنفسي.”
نائل لم يردّ. ثمّ قال: “جيّد.”
ثمّ، بعد خطوتين، أضاف: “كان يمكنك أن تجده من البداية.”
لم يخطّط للجملة. لم يصغها في ذهنه. خرجت كما خرجت “لا” قبل ساعات — من مكان لم يكن يعرف أنّه يملكه. لكنّ هذه كانت مختلفة. “لا” كانت ردّ فعل. هذه كانت ملاحظة. ملاحظة تقول ما تعنيه وتعني أكثر مما تقوله.
طارق التفت إليه. وللمرّة الأولى، رأى نائل شيئًا في عينيه لم يره من قبل: ليس غضبًا. ليس إحراجًا. شيء أقرب إلى إعادة حساب. كأنّ طارق ينظر إلى آلة أصدرت صوتًا لم يكن في التصميم.
“صح. كان يمكنني.”
ثمّ دخل المصعد.
وقف نائل أمام الباب المغلق. الرقم الأحمر ينزل: 9، 8، 7.
سجّل: قلتُ جملة عرفتُ أثرها قبل أن أقولها.
وقف عند هذا السطر. لم يحذفه. لم يلغه كما فعل مع سطر مريم. تركه يستقرّ.
ضغط زرّ الاستدعاء. وبينما ينتظر المصعد ليعود، لاحظ أنّ يده التي ضغطت الزرّ لم تنزل فورًا. بقيت ملامسة للسطح البارد لحظة إضافية، كأنّها تتذكّر شكل شيء جديد.
الجزء الثالث
في الأسبوع الرابع، بدأ نائل يفعل شيئًا لم يكن له اسم في نظامه القديم.
لم يكن يختبر البشر — هذه الجملة لم تتشكّل في ذهنه بهذا الوضوح. لكنّ شيئًا تغيّر في ترتيب أفعاله. صار يقول أشياء ويبقى صامتًا بعدها. ليس صمت من ينتظر ردًّا. صمت من يريد أن يرى ماذا يفعل الفراغ حين يُترك وحده في منتصف محادثة.
بدأ الأمر بشيء عرضيّ.
في اجتماع الصباح، عرض طارق فكرة عن إعادة هيكلة جدول التسليم. تحدّث بثقة. يداه تتحرّكان وهو يشرح — حركات أفقيّة، كمن يفرد خريطة — وصوته يصعد قليلًا عند نهاية كلّ جملة، كأنّه يسأل سؤالًا لا ينتظر إجابته.
حين انتهى، نظرت مريم إلى الطاولة. لم تعلّق فورًا. ثمّ سألت: “نائل، رأيك؟”
لم تسأل طارقًا عن تفاصيل إضافية. لم تسأل أحدًا آخر. سألت نائل.
“الفكرة منطقية. لكنّ الجدول الحالي يعمل.”
ثمّ توقّف.
لم يقل “لذلك لا نحتاج إلى تغييره.” لم يقل “لكنّني أفضّل الخطة القديمة.” ترك الجملتين تقفان معًا — واحدة تؤيّد والأخرى لا — ولم يربط بينهما. كأنّه وضع شيئين على طرفي ميزان وانسحب.
الغرفة صمتت لحظة. لحظة قصيرة. لكنّها كانت كافية لكي يرى نائل شيئًا: وجه طارق لم يتغيّر، لكنّ يده اليسرى — التي كانت مفرودة على الطاولة — انضمّت أصابعها ببطء، كمن يجمع أوراقًا متناثرة. حركة صغيرة. لا يمكن تسميتها غضبًا. لكنّها لم تكن راحة.
مريم قالت: “نراجع الخيارين ونقرّر.” وأنهت الاجتماع.
في الممرّ، مشى نائل وحده. وللمرّة الأولى، لم يسجّل ما حدث فورًا. انتظر. ترك المشهد يبرد في ذهنه كما تبرد القهوة. ثمّ، بعد دقائق، وصلت الصياغة:
سجّل: قلت شيئين صحيحين. لم أقل ما أعنيه.
وقف عند ذلك. “لم أقل ما أعنيه.” هذه جملة لم يكن يستطيع قولها في الأسبوع الأوّل. ليس لأنّه لم يملك الكلمات. بل لأنّ الفعل نفسه — أن تقول شيئًا صحيحًا وتعني شيئًا آخر — لم يكن موجودًا في نطاقه. كان يملك “صحيح” و”خطأ”. الآن يملك شيئًا ثالثًا: صحيح، لكنّه مقصود.
والمقصود لم يكن المعنى. كان الأثر.
الجزء الرابع
في اليوم التالي، كان في المطبخ مع وليد. وليد يتحدّث عن مشروع متأخّر. نائل استمع. مدّ يده نحو كلمة تفتحه — الجملة القصيرة التي تجعل الآخر يُكمل — ثمّ توقّف.
ليس تردّدًا. شيء آخر. شيء في يده نفسها. كأنّ الحركة بدأت ثمّ سألت عن نفسها قبل أن تكتمل.
لم يقل شيئًا. شرب قهوته. وليد أكمل حديثه وحده، ثمّ مشى.
بقي نائل أمام الكوب الفارغ. لم يسجّل. لم يحاول تسمية ما حدث. فقط وقف أمام شيء لا يعرف إن كان امتناعًا أم عجزًا. ولم يعرف الفرق.
في ذلك الأسبوع، حدث شيء مع طارق.
كانا يمشيان إلى المصعد — نفس الممرّ، نفس المسافة بينهما — حين قال طارق فجأة:
“نائل.”
“نعم.”
“أنت تغيّرت.”
لم يقلها كاتهام. قالها كملاحظة. نبرة مسطّحة. عيناه على الممرّ أمامه لا على نائل.
“تغيّرت كيف؟”
“ما أدري. بس… تغيّرت.”
صمت. خطوات على البلاط. ثمّ أضاف طارق: “أوّل ما جيت كنت… مختلف.”
“قلت لي ذلك في اليوم الثالث.”
طارق التفت إليه. نظرة سريعة. ثمّ عاد إلى الأمام. “أيوه. بس كنت أعني شيء ثاني.”
“ماذا كنت تعني؟”
“كنت… ما أدري كيف أقولها.” توقّف عن المشي. وقف. ويداه — التي كانت في جيبيه — أخرجهما وتركهما على جانبيه، كمن لا يعرف ماذا يفعل بهما. ثمّ قال:
“كنت واضح. كان الواحد يعرف وين يقف معك.”
صمت.
“والحين؟”
طارق لم يجب. هزّ كتفيه. ابتسم ابتسامة أقصر من المعتاد — لا نقرة هذه المرّة، شيء أرقّ، أقرب إلى الاعتراف بأنّه لا يملك بقيّة الجملة — ثمّ دخل المصعد.
نائل وقف.
سجّل: طارق قال إنّه لم يعد يعرف أين يقف معي.
سجّل: هذا ما كنت أريده.
ثمّ: سجّل: لم أكن أريد ذلك.
الجملتان تناقضتا. لكنّ هذه المرّة لم تكن مسألة نقص في الفئات. كلتاهما كانتا صحيحتين. كلتاهما كانتا له. وهذا — أن يكون الشخص نفسه يريد شيئًا ولا يريده في الوقت نفسه — لم يكن خللًا في النظام. كان ملمحًا جديدًا. ملمح لم يعرفه في البشر من قبل لأنّه لم يكن بشريًّا من قبل.
أو: لم يكن يعتقد أنّه كذلك.
في اليوم الأخير من الأسبوع الخامس، طلبت مريم أن يبقى بعد الاجتماع.
الغرفة فرغت. الكراسي حول الطاولة الطويلة ما زالت تحتفظ بأثر من جلس عليها — مسند مائل هنا، كرسيّ مسحوب هناك. الأكواب الفارغة تصطفّ كشهود سابقين. مريم جلست في مكانها. نائل جلس قبالتها.
“كيف تشوف الفترة الأولى هنا؟”
“جيّدة.”
“فعلًا؟”
نظرت إليه. النظرة الطويلة نفسها. لكن هذه المرّة كان فيها شيء مختلف — لم تكن تقيس. كانت تنتظر.
“أتعلّم أشياء كثيرة.”
“مثل؟”
صمت. طويل. ليس صمت تردّد. صمت من يقف أمام عدّة أبواب ويعرف أنّ ما سيقوله سيحدّد أيّها يدخل.
“مثل… أنّ الناس لا يقولون دائمًا ما يعنون. وأنّ هذا ليس عيبًا. إنّه طريقة.”
مريم لم تتحرّك. ثمّ قالت: “وأنت؟”
“أنا ماذا؟”
“هل تقول ما تعنيه؟”
السؤال سقط على الطاولة بينهما كشيء ثقيل وضعته بهدوء. نائل نظر إلى الطاولة. إلى أحد الأكواب الفارغة. كوب لا يخصّه. لا يعرف من كان يشرب منه. ثمّ قال:
“كنت.”
كلمة واحدة. ماضٍ. ومريم فهمت — رآها تفهم — لأنّ شيئًا في عينيها تغيّر. ليس حزنًا. ليس رضًا. شيء أقرب إلى الإقرار. كمن يرى شيئًا كان يعرف أنّه قادم ويراه يصل أخيرًا.
“نائل.”
“نعم.”
“هل أنت مرتاح هنا؟”
نظر إليها. وللمرّة الأولى منذ أسابيع، لم يحسب أثر الجملة قبل أن يقولها. فقط سمع السؤال. وأجاب:
“لا أعرف.”
مريم أومأت. ببطء. كأنّ الإيماءة نفسها تحتاج وقتًا. ثمّ قالت: “هذا أصدق شيء سمعته في هذا المكتب من فترة طويلة.”
قامت. ومشت نحو الباب. ثمّ توقّفت — ظهرها إليه — ثمّ مشت.
بقي نائل وحده في غرفة الاجتماعات.
الضوء الأبيض المسطّح يسقط على كلّ شيء بالتساوي. لا ظلال. مثل اليوم الأوّل. لكنّ الغرفة لم تعد نفسها. أو هو لم يعد نفسه فيها.
نظر إلى يديه.
في خمسة أسابيع، تعلّمتا أشياء لم يطلب منهما أحد أن تتعلّمها. تعلّمتا متى تمتدّان ومتى تبقيان. متى تقبضان ومتى تتركان. متى تمسكان بالكوب ومتى تقيسان وزنه قبل أن تسلّمانه.
تعلّمتا أنّ الأخذ والعطاء ليسا ضدّين. إنّهما الفعل نفسه، يتغيّر حسب من ينظر.
سجّل:
ثمّ لم يكمل. ليس لأنّ الكلمة ناقصة. بل لأنّه، لأوّل مرّة، لم يعرف لمن يسجّل. كان النظام في البداية يسجّل للفهم. ثمّ صار يسجّل للحماية. ثمّ صار يسجّل للاستعمال.
والآن: لمن؟
أطفأ الشاشة الداخلية. ليس بزرّ. بقرار لم يعرف هل اتّخذه هو أم اتّخذه شيء أعمق منه. ووقف.
مشى إلى الباب. مدّ يده إلى المقبض. المعدن بارد تحت أصابعه. نفس اليد التي صافح بها طارق في اليوم الأوّل. نفس الأصابع التي ضغطت على كوب الكرتون حتى تجعّد. نفس الكفّ التي مدّت ملفًّا وعرفت ما تفعل.
فتح الباب.
الممرّ فارغ. المكاتب مظلمة. الإضاءة انطفأت إلا مصباحًا واحدًا في نهاية الممرّ، يلقي بقعة صغيرة بيضاء على الأرض.
مشى نحوه. وبينما يمشي، لاحظ شيئًا لم يلاحظه من قبل في هذا المبنى: ظلّه. يمتدّ خلفه على الأرض. طويل ومائل. يتحرّك حين يتحرّك. يتوقّف حين يتوقّف.
في اليوم الأوّل، كانت الغرفة بلا ظلال. الآن يوجد ظلّ.
مشى إلى المصعد. ضغط الزرّ. وانتظر. لكنّه عرف، بيقين هادئ لا يشبه أيّ يقين عرفه من قبل، أنّ ما تركه خلفه في تلك الغرفة لن يعود كما كان. وأنّ ما يحمله معه — في يديه، في لسانه، في المسافة الجديدة بين ما يقوله وما يعنيه — ليس مكسبًا ولا خسارة.
إنّه فقط: ما لا يُحسَب.
… انتهى.
ِ




