جاذبية الهاوية
الأجساد التي لا تعرف أنها موجودة إلا حين ترتطم بشيء
الساعة الثالثة صباحاً، والمطبخ يتنفّس وحده.
ضوء الفلورسنت يطنّ فوقها بنبرة رتيبة، كأنه يتذكّر شيئاً لا يستطيع قوله. هي واقفة أمام الحوض بقميص نومٍ رماديّ، والبلاط تحت قدميها العاريتين يُرسل برودته الأولى — تلك البرودة التي تسبق الوعي بها، التي يعرفها الجلد قبل أن يقرّر العقل إن كانت مزعجة أم لا. لا تتحرّك. وقدماها لا تبحثان عن دفء. كأنّ هذا البرد بالذات هو ما جاءت من أجله.
الهاتف على طاولة المطبخ، شاشته مطفأة، مقلوبٌ على وجهه. وضعته هكذا قبل ساعة — فعل يشبه إغلاق باب بكلتا اليدين. لكنها قامت من السرير مرتين بعدها، مرّة لتشرب ماءً لم تكن عطشى له، ومرّة بلا عذرٍ أصلاً، وفي المرتين كانت عيناها تمرّ على الهاتف كما يمرّ المرء على عتبة بيتٍ قديم: بعجالة محسوبة تُخفي شيئاً ثقيلاً تحتها.
جسدها يتذكّره كحالة: الانتباه كلّه معلّق على باب، على خطوة في الممر، على تغيّر في نبرة الصوت يُعلن إن كان المساء سيكون آمناً أم لا. الطفلة التي كانت لا تعرف أنها كانت تحسب الأصوات، لكنّ المرأة التي أصبحتها لا تزال تحسبها.
تفتح صنبور الماء.
لا تملأ كوباً. لا تغسل شيئاً. تترك الماء يجري فوق أصابعها المفتوحة، بارداً في البداية ثم فاتراً، ثم بارداً حين تُعيد الصنبور إلى اليسار. تراقب الخيط الشفاف وهو يتكسّر على عُقَد أصابعها ويتفرّع، والشيء الوحيد الذي يتحرك في المطبخ هو هذا الماء وانعكاس الفلورسنت فيه.
تُغلق الصنبور. الصمت يعود دفعة واحدة، أكثف مما كان. قطرة أخيرة تسقط من الحنفية وتصطدم بقاع الحوض المعدني — صوت صغير وحاد، يتردّد لثانية في المطبخ الفارغ كأنه سؤال لم يُجب عنه أحد.
تمسح يديها بمنشفة معلّقة على مقبض الفرن. المنشفة قطنية، نظيفة، مطوية بعناية رغم أنّ لا أحد يراها.
تجلس على كرسي المطبخ. الكرسي الخشبي يُحدث صوتاً خافتاً على البلاط حين تسحبه، وهذا الصوت — احتكاك الخشب بالخزف في غرفة ساكنة — يملأ المكان بطريقة لا تتناسب مع حجمه. كلّ شيء في هذه الساعة يبدو أكبر مما هو: الصوت أعلى، والظلال أطول، والمسافة بينها وبين الهاتف المقلوب على الطاولة تبدو مسافة مادية حقيقية، كحقلٍ يجب عبوره.
ولا تعبره.
تجلس وتنظر إلى الهاتف من مسافة ذراع، وتعرف — بتلك المعرفة الدقيقة المُهينة التي لا تُغيّر شيئاً — أنّ شيئاً ما سيحدث خلال ثوانٍ. ستمتد يدها. ستقلب الهاتف. ستنظر إلى الشاشة. ولن يكون هناك شيء.
«وجودي لا يكفي» — لم تقلها يوماً بهذا الوضوح. لا أحد يقولها. لكنّ الطفل يقولها — بتوتّر كتفيه، بطريقة جلوسه على حافة السرير.
يدها تمتد.
ببطء، كأنّ في المسافة بين أصابعها والهاتف سائلاً لزجاً يجب المرور خلاله. تقلبه. الشاشة تضيء لثانية — ضوءها في هذه العتمة يُشبه نافذة صغيرة انفتحت ثم أُغلقت — ولا شيء. لا إشعار. لا رسالة. الخلفية صورة مدينة لا تتذكر متى التقطتها، وتحتها الساعة: ٣:١٧. الرقمان يقفان هناك بلا مبالاة، كأنّ الوقت لا يعنيه ما يحدث فيه.
تُعيد الهاتف إلى وضعه. وجهه إلى الأسفل. بنفس الحركة الأولى. لكنّ شيئاً ما تغيّر — ليس في الهاتف ولا في الغرفة، بل في الهواء بين صدرها والطاولة. شيء انقبض هناك. ليس ألماً بالمعنى الذي يُشار إليه بإصبع، بل شيء أشبه بثقل مفاجئ على سطحٍ كان يتظاهر بالخفّة.
هذا الانقباض — لو أمكن تتبّعه — لا ينتمي إلى هذه الليلة. ينتمي إلى مناخ. مناخ كامل عاشت فيه سنوات دون أن تُسمّيه، لأنّك لا تُسمّي الهواء الذي تتنفسه، لا تلاحظه إلا حين يتغيّر. المسافة بين أن تمدّ يدك وأن تعود فارغة — ليست فراغاً محايداً. إنها مكان. مكان بأثاث خاص، وقواعد خاصة، وإضاءة خاصة.
تقف. تذهب إلى الحوض مرة أخرى. هذه المرة تملأ كوباً من الماء. تشرب نصفه واقفة، والنصف الآخر تصبّه ببطء. تراقب الماء وهو يدور في قاع الحوض قبل أن يختفي، وفي دورانه الصغير هذا شيء يُشبه الوقت — الطريقة التي يمضي بها حين لا يُملأ بشيء. وقت لزج. وقت لا أطباق فيه.
من تكون حين لا تنتظر أحداً؟
المنقذة. الصابرة. التي تحبّ رغم كل شيء. التي تُعطي ولا تطلب.
تعود إلى الكرسي. وللمرة الأولى هذه الليلة، لا تنظر إلى الهاتف.
تنظر إلى يديها. يدان عاديتان. عليهما أثر الماء الذي لم تُجفّفه بالكامل. وعلى طرف السبّابة اليمنى بقعة حبر جافّة من أمس أو من يومٍ قبله. تنظر إليهما كما ينظر المرء إلى شيء يراه للمرة الأولى — أو كما ينظر إلى شيء كان يراه دائماً لكنّه لم يكن ينتبه.
في العادة، هذه اليدان لا توجدان إلا في علاقتها بالآخر: يد تمتدّ نحو هاتف، يد تُمسك بيد، يد تكتب رسالة تُمحى قبل إرسالها. لكن الآن — في هذا الضوء الأبيض القاسي، وهذا الصمت الذي لا ينتظر أحداً — اليدان موجودتان وحدهما.
ثمة شيء يبدأ في التغيّر. لا يبدأ كقرار — لا أحد يقرّر في الثالثة والنصف صباحاً أمام حوض مطبخ أن يتغيّر. يبدأ كإرهاق. كعضلة تعبت من المسار نفسه. اليد التي كانت تتحقّق من الشاشة سبع مرّات لم تفقد رغبتها بعد، لكنّ شيئاً فيها — شيئاً فيزيائياً، تحت الجلد، في الوتر أو في الذاكرة العضلية — هذا الشيء بدأ يتباطأ. ليس لأنه فهم. بل لأنه تعب.
الفلورسنت يطنّ. الثلاجة تُحدث صوتها الدوري — ذلك الارتجاف الخافت الذي لا يلاحظه أحد في النهار لكنّه يصبح في الليل حضوراً شبه حيّ، كائناً آخر يتنفس في الزاوية. الهاتف على الطاولة، مقلوبٌ، صامت. والمسافة بينها وبينه لم تتغيّر — لا تزال ذراعاً واحدة — لكنّ شيئاً ما في هذه المسافة صار مختلفاً. ليس أوسع. ليس أضيق. فقط... مرئيّاً أكثر. كأنّها تراه للمرة الأولى بوصفه مسافة. لا ممرّاً يجب عبوره. لا فجوة يجب ملؤها. مجرد مسافة.
وفي هذه المسافة تتنفس. نَفَساً واحداً، طويلاً، غير محسوب. نَفَسٌ يأتي وحده، كأنّ الجسد تذكّر فجأة أنّ هذا أيضاً شيء يمكنه فعله من تلقاء نفسه — بلا انتظار، بلا إذن، بلا ردّ من أحد.
النَفَس يخرج. والمطبخ لا يتغيّر. والهاتف لا يُضيء. لكنّ اليد التي كانت ستمتدّ — تلك اليد التي تعرف الطريق إلى الشاشة كما تعرف القدم طريق بيتٍ قديم — هذه اليد تبقى حيث هي. على ركبتها. ساكنة. ليس لأنّها قرّرت. بل لأنّها، لهذه الثانية فقط، نسيت أن تتحرّك.
والنسيان هنا ليس فقداناً. إنه أول شقّ في الجدار.
ضوء الفلورسنت يطنّ. قطرة تسقط من الحنفية. والليل يمتدّ خلف نافذة المطبخ كسطح ماء لا نهاية له — ساكن، معتم، لكن فيه، في مكانٍ ما تحت السطح، شيء يتحرك ببطء شديد نحو شيءٍ لا يملك اسماً بعد.
ِ
سلطان حسيان.




