فيزياء الانتظار
عن الغرف التي تتّسع لسبب لا يُقاس
لم أكن أعرف أن للانتباه وزنًا.
أقصد: وزنًا حقيقيًا. شيئًا يضغط على القفص الصدري من الداخل، ضغطًا خفيفًا، كيد طفل تستند إلى زجاج نافذة. ليس ألمًا. ليس فرحًا بالضبط. شيء بينهما — شيء لم يقرر بعد ماذا يكون.
الغرفة تعرف قبلي.
أعني: حين أفتح هاتفي وأرى اسمها، يحدث شيء للضوء. لا يتغير فعلًا — أعرف ذلك — لكن الجدار المقابل يبدو أقل بياضًا، أدفأ بدرجة، كأن أحدًا أضاف إلى المصباح لونًا لم يكن فيه. الظلال على الأرض تتراخى. السقف يرتفع سنتيمترًا. سنتيمترًا واحدًا لا أستطيع إثباته لكن رئتيّ تشهدان عليه لأن الهواء — فجأة — يتسع لنفَس أعمق.
حين تتكلم، لا أسمع الكلمات أولًا. أسمع الإيقاع. شيء في صوتها يشبه خطوات على أرض رطبة — ليست سريعة، ليست مترددة، فقط واثقة بما يكفي لتترك أثرًا خفيفًا. أتابع هذا الأثر. أضبط تنفسي عليه دون أن أقصد. ثم تصمت لثانية قبل أن تكمل الجملة — وفي تلك الثانية يحدث شيء غريب في معدتي، ارتخاء مفاجئ، كأن عضلة ظلت مشدودة لسنوات قررت أن تستريح.
والغرفة تسمع هذا الارتخاء.
الستارة تتحرك — لا هواء يبرره — لكنها تتحرك، حركة بطيئة كتنهيدة قماش.
لا أعرف متى بدأ هذا.
ربما حين لاحظت أنني أعيد قراءة رسائلها. ليس لأنني لم أفهمها — بل لأن شيئًا في ترتيب كلماتها يصنع حرارة. حرارة بطيئة، كوسادة نامت عليها الشمس ساعة كاملة. أقرأ الرسالة، ثم أضع الهاتف، ثم أعود.
وحين أعود أجد الغرفة تغيّرت.
الكوب على الطاولة — نفس الكوب، نفس المكان — لكن الضوء يسقط عليه بزاوية تجعله يشبه شيئًا من ذاكرة لم تحدث بعد. الماء فيه ساكن، سكونًا يشبه الإصغاء.
الجسد يعرف قبل كل شيء.
هذا ما لا يقوله أحد. أن الإعجاب يبدأ في الأطراف، في أصابع اليدين تحديدًا. أمسك الكوب بطريقة مختلفة حين أتكلم معها. أشد ظهري. أرتب ياقة قميصي وأنا وحدي في الغرفة — وحدي تمامًا — كأن حضورها تسرّب إلى المكان من خلال الشاشة وصار الهواء يراقبني بعينيها.
الجدران تنتبه.
أشعر بذلك.
الزاوية المعتمة خلف الباب التي لا أنظر إليها عادة صارت حاضرة، كأنها شاهد صامت على شيء لا أسميه بعد.
الكتفان يتغيران أيضًا.
يرتفعان حين أنتظر ردها، يرتفعان ببطء، مليمترًا مليمترًا، وأنا لا ألاحظ حتى تصل الرسالة فينزلان دفعة واحدة. زفير.
والغرفة تزفر معي.
الأشياء تعود إلى أحجامها: الطاولة طاولة، والكرسي كرسي، والمسافة بين الحائط والنافذة تتوقف عن التمدد. كانت تتمدد — أقسم أنها كانت تتمدد في الثواني التي سبقت ردها — كأن الفراغ بين الأشياء يتّسع ليتّسع الانتظار.
وهناك الحنجرة.
حين أسمع صوتها يتغير شيء في الحنجرة، ليس جفافًا وليس بلّة، شيء أقرب إلى اتساع. كأن المساحة التي يمر منها الهواء صارت أوسع قليلًا. أتنفس أعمق دون قرار. الهواء يدخل أبعد. يصل إلى مكان في الصدر لا يصله عادة — مكان كان مغلقًا أو منسيًا أو متظاهرًا بأنه غير موجود.
والغرفة تشعر بهذا الانفتاح.
فتتصرف بناءً عليه:
الغبار في شعاع النافذة يتحرك أبطأ. أبطأ. كأنه يريد أن يبقى في الضوء لحظة أطول. كأن حتى الذرّات المهملة تريد أن تُرى حين يكون صوتها في أذني.
لا أقول لها هذا.
لا أقول لها شيئًا كبيرًا.
أقول لها أشياء صغيرة. أسألها عن يومها — وأنتبه للإجابة.
الانتباه فعل جسدي، هذا ما اكتشفته.
حين أنتبه فعلًا، تميل رأسي إلى اليسار بزاوية طفيفة. عيناي تضيقان قليلًا. فكي يرتخي. كأن وجهي كله يعيد ترتيب نفسه ليستقبل ما تقوله — يُهيئ مساحة — يفرش شيئًا ناعمًا على الأرض قبل أن تصل الكلمات.
والظل على الحائط — ظلي أنا — ينحني هو الآخر.
ينحني بزاوية أكبر من زاوية رأسي.
كأنه أصدق مني.
كأنه يقول ما لا أقوله.
والاشتياق — إن كان هذا اسمه — لا يسكن في القلب كما يقولون.
يسكن في راحة اليد.
في ذلك الخط الطويل الذي يقطعها من طرف إلى طرف. أحيانًا أنظر إلى يدي وأشعر بخفة فيها، فراغ، كأنها تنتظر شيئًا لتحمله. ليس يدها بالضرورة. ربما كوب قهوة أحضرته لها. ربما طرف وشاحها وهو يسقط عن كتفها. ربما لا شيء محددًا — فقط الجاهزية، الاستعداد.
اليد التي صارت نصف مفتوحة بعد أن ظلت مقبوضة طويلًا.
والطاولة تحت يدي تشعر بهذه الخفة.
سطحها الخشبي الذي أعرفه منذ سنوات صار أملس الليلة.
أمرر أصابعي عليه وأجده لينًا، كأن الخشب نفسه لان لأن يدي لانت.
هذا المساء مثلًا.
لا شيء خاص.
لا مناسبة.
لكنني أجلس والضوء خافت والغرفة هادئة وشيء في الهواء يشبه رائحتها — أو ربما هذا ما أصنعه أنا. ربما الجسد حين ينتبه لشخص يبدأ في تركيب حضوره من الفراغ، يأخذ الهواء العادي ويمنحه درجة حرارة مختلفة.
والغرفة تتواطأ.
النافذة التي لا أفتحها عادة تركتها مواربة الليلة — لماذا؟ لا أعرف. لكن الهواء الذي يدخل منها ليس هواء الشارع المعتاد. فيه شيء — ربما أختلقه — شيء يشبه التهيئة.
كأن الغرفة ترتب نفسها لضيفة غير مرئية.
كأن الأشياء تنزاح قليلًا عن أماكنها الأصلية لتصنع مسافة لحضور لم يصل بعد.
الجسد الذي يحب — أو يبدأ في الحب — لا يطلب أشياء عظيمة.
يطلب تفاصيل.
يطلب المسافة القصيرة بين كتفين على أريكة واحدة.
يطلب الصوت القريب، القريب جدًا، حين ينخفض إلى درجة لا يسمعها غيرك.
يطلب الرائحة — لا العطر، بل ما تحت العطر، الرائحة التي هي هي.
ويطلب من الغرفة أن تتعاون.
أن يكون الضوء بتلك الدرجة تحديدًا —
لا ساطعًا فيكشف أكثر مما ينبغي،
ولا معتمًا فيُضيع الملامح.
تلك الدرجة الوسطى التي تجعل كل شيء يبدو كأنه يحدث للمرة الأولى.
الهواء في الغرفة عادي.
لكن الأشياء فيه ليست في أماكنها المعتادة.
الكوب أقرب إلى حافة الطاولة مما أتركه عادة.
المفتاح على الرف مقلوب على وجهه.
الوسادة على الكرسي مائلة بزاوية لا أتذكر أنني صنعتها.
كأن الغرفة تحرّكت وأنا لا أنظر.
تحرّكت لتصنع نسخة من نفسها أوسع بقليل، أدفأ بقليل، أكثر استعدادًا بقليل.
يدي ما زالت نصف مفتوحة.
والغرفة ما زالت تُصغي.
ِ
سلطان حسيان .




