خمسة سنتيمترات
— سيرة ظهر
الشقة جديدة. جدرانها ملساء بطريقة تجعل الأصابع لا تثق بها. دهان أبيض متساوٍ، بلا طبقات، بلا تاريخ تحته. حين وقّع العقد لم يسأل عن المساحة ولا عن الإضاءة. سأل عن سماكة الجدران. المالك ظنّه يسأل عن العزل الصوتي. أومأ. قال كلمة عن الخرسانة. لم يكن يسأل عن الصوت.
أول شيء فعله: علّق لوحة. ليست لوحة بالمعنى الذي يُعلَّق للزينة — إطار خشبي بداخله قماش مطبوع، منظر لا يتذكّر أين اشتراه. ربما مع الأثاث. ربما كان في الصندوق حين وصل. لا يهم. علّقها على الجدار المقابل للباب. المكان الأول الذي تقع عليه العين حين تُفتح الشقة.
المسمار دخل مستقيمًا. تأكّد. أعاد القياس بطرف إصبعه. مستقيم. اللوحة لا تميل. أمسك حافتها السفلية بكلتا يديه وعدّلها — يمين، يسار — حتى صار الظل متساويًا من الجهتين. عدّلها مرة أخرى. ثم ثالثة. ثم وقف على الجانب الآخر من الغرفة وأغمض عينًا واحدة.
مستقيمة.
مسافة اللوحة عن السقف: اثنا عشر سنتيمترًا. عن الأرض: متر وثلاثة وأربعون. قاسها. ليس بالمتر — بجسده. المسافة التي تجعل مركز اللوحة بمحاذاة عينيه حين يقف. حين يجلس تكون أعلى قليلًا، فتبدو شيئًا يُنظر إليه من تحت، شيئًا يغطّي ولا يُسأل عنه.
الجدار خلفها أملس. يعرف ذلك. فحصه قبل أن يعلّق أي شيء. مرّر كفّه على كامل السطح — من السقف إلى الأرض — ببطء، بضغط خفيف، كمن يقرأ نصًا بأطراف أصابعه. لا نتوء. لا شقّ. لا مكان ينخفض فيه السطح بمقدار يُحَسّ. أملس. لكنه علّق اللوحة.
الأثاث في الشقة لا يلمس الجدران.
الأريكة تبعد خمسة سنتيمترات. الطاولة أربعة. السرير — حتى السرير — ثلاثة سنتيمترات بينه وبين الحائط. مسافة لا تُرى إلا إذا أسقطتَ شيئًا خلف الأثاث وحاولت أن تلتقطه فوجدت يدك تمرّ. ليست فراغًا مقصودًا. ليست تصميمًا. هي المسافة التي يتركها جسد تعلّم — قبل أن يفهم — أن ما يلمس الجدار يصير جزءًا من الجدار، وأن ما يصير جزءًا من الجدار يتحمّل ما يتحمّله الجدار.
يمشي في الشقة بمسارات ثابتة. من الباب إلى المطبخ: خطّ مستقيم لا ينحني. من المطبخ إلى غرفة النوم: قوس طفيف نحو مركز الصالة يتجنّب ممرًا ضيقًا بين الأريكة والجدار — ممرّ لا يمرّ منه أحد غيره، لكنه يتجنّبه كأنّ فيه ازدحامًا. المسار لا يتغيّر. لو رشّ أحد طحينًا على الأرض لوجد خطًا واحدًا محفورًا بالأقدام، والبقية بيضاء.
في العمل، مكتبه في الزاوية. لم يطلب الزاوية. اختارها بطريقة بدت طبيعية — دخل أول يوم، ومشى نحوها كمن يعرف المكان. الزاوية تعني جداران خلف ظهره بدل واحد. تعني أنّ أحدًا لا يمرّ من ورائه. تعني أنّ ما خلفه مغلق، صلب، محسوم. زملاؤه يجلسون في الوسط أو قرب النافذة. يسألونه أحيانًا: ألا تريد مكانًا فيه ضوء أكثر؟ يهزّ رأسه. يبتسم. الابتسامة سريعة، كاملة، لا ينقصها شيء — ابتسامة تعلّمها عضلات وجهه منذ زمن بعيد، نوع من الابتسامات التي تؤدّي وظيفتها دون أن تحتاج سببًا.
حين يجلس أحد خلفه — موظف يمرّ، مدير يقف ليسأل سؤالًا — يحدث شيء بين لوحَي كتفيه. ليس ألمًا. شدّ. عضلتان تتقلّصان بمقدار لا يُقاس، لكنه يحسّهما. البقعة نفسها. المكان نفسه من الظهر الذي لا يتذكّر متى صار يحسّ به. حين يبتعد الشخص، ترتخي العضلتان. ليس دفعة واحدة. ببطء. كمن يفكّ قبضته إصبعًا إصبعًا بعد أن يزول الخطر — والخطر لم يكن خطرًا، كان فقط وجود شخص في مساحة يُفترض أن تكون مغلقة.
هي لاحظت قبل أن يلاحظ هو.
ليس الظهر. ليس المسمار المستقيم. ليس مسار المشي. لاحظت شيئًا أصغر: أنه لا يقف أبدًا أمام نافذة مفتوحة حين يكون هناك شخص آخر في الغرفة. النافذة المفتوحة تعني تيار هواء. والتيار يعني أنّ شيئًا يتحرّك خلفه — ستارة، ورقة، حافة معطف معلّق. والحركة خلف ظهره تعني أنّ شيئًا ينكشف. ليس لأن شيئًا مكشوفًا. بل لأن الحركة نفسها — أي حركة خلف أي ظهر — تستدعي آلية أقدم من الشقة ومن المكتب ومن كل مكان عاش فيه.
قالت له مرة — ليس كسؤال، بل كملاحظة مرمية على حافة جملة أخرى — “أنت دائمًا ظهرك للحائط.”
لم يردّ. ليس لأنه لا يملك ردًا. بل لأن الردّ يتطلّب جملة، والجملة تتطلّب فاعلًا، والفاعل يتطلّب سببًا. والسبب ليس من النوع الذي يُقال. ليس لأنه سرّ. بل لأنه لم يكن يومًا كلمة. كان دائمًا شيئًا في الظهر. مسافة بين جسد وجدار. شيئًا تعلّمه العضل قبل أن يصل إلى اللسان.
أكمل المساء. ناولها كأسًا. جلسا على الأريكة — الأريكة التي لا تلمس الجدار. هي على الطرف القريب من النافذة، وهو على الطرف القريب من الحائط. ليس أنه يحميها. ليس أنه يحمي الحائط. ليس أنه يحمي شيئًا أصلًا. فقط أنّ الجاذبية في جسده لا تسحبه نحو الأسفل كما تسحب بقية البشر. تسحبه نحو الخلف. نحو أقرب سطح صلب يمكن أن يسند ظهره إليه.
وضع ذراعه خلفها. ذراعه — لا كتفه. الكتف تبقى ملاصقة لمسند الأريكة. الذراع تمتدّ وتمسّ كتفها. لكن الظهر لا ينفتح. الظهر يبقى هناك، مسطّحًا، مسنودًا، يغطّي المسافة بين جسده والجدار. لا شيء على هذا الجدار يحتاج تغطية. دهان أبيض متساوٍ بلا طبقات. لكن الظهر لا يعرف ذلك. الظهر لا يفرّق بين جدار وجدار. يفرّق بين مفتوح ومغلق. وهو مغلق. دائمًا مغلق.
في الليل ينام على بطنه. دائمًا.
ظهره نحو السقف، كأنه يسدّ فتحة فوقه. الفراش يلمس صدره وبطنه وفخذيه ووجهه، وظهره وحده مكشوف. مكشوف للهواء. لكنّ الهواء في هذه الشقة لا يتسرّب من مكان. الجدران سليمة. الهواء هنا عادي. دافئ. ساكن.
ومع ذلك — ومع ذلك — هناك نقطة بين لوحَي الكتف لا تدفأ. كأنّ الجلد هناك من نوع آخر. كأنّ الطبقة الأخيرة من الجلد لم تكتمل فبقي مكان مكشوف لا يُرى، مسامّ واحد أوسع من بقية المسامّ، يتسرّب منه شيء ليس هواءً ولا برودة بل مجرّد غياب حرارة. غياب محدّد، دائري، لا يتّسع ولا يضيق.
يضع الغطاء. يشدّه فوق كتفيه. القماش يلمس تلك البقعة. يشعر به يلمسها. لكنّ الحرارة لا تصل. كأنّ القماش يمرّ فوقها دون أن يمسّها فعلًا. كأنّ بين القماش وبين تلك النقطة من الظهر ملليمترًا من الفراغ — ملليمتر واحد لا يُسدّ ولا يُردم ولا يُحسّ إلا من الداخل.
يقلّب وسادته. يُغيّر وضعية ذراعه. يفعل كل ما يفعله من لا ينام لأسباب عادية. لكنّ السبب ليس عاديًا وليس غير عادي. السبب أنّ ظهره يعرف شيئًا لم يتعلّمه هو. يعرف أنّ كل سطح خلفه مؤقت. أنّ كل جدار يبدو صلبًا يمكن أن يكون فيه — أو كان فيه — أو سيكون فيه — فراغ بحجم ما لم يُقَل.
اللوحة في الصالة مالت.
لم يلمسها أحد. ربما المسمار استقرّ أعمق في الجصّ بمقدار لا يُقاس. ربما الخيط خلفها ارتخى ملليمترًا. ربما الجاذبية قرّرت أنّ هذه اللوحة بالذات لا تستحق الاستقامة. المهم أنها مالت. ثلاث درجات نحو اليمين. ثلاث درجات لا يلاحظها ضيف ولا ساكن ولا عين عابرة.
هو لاحظها قبل أن يدخل الصالة. من الممرّ. من زاوية عينه. الظل تحت الحافة اليمنى أعرض من الظل تحت الحافة اليسرى. هذا كل ما احتاجه. دخل. مشى نحوها. أمسك الحافة بيدين. عدّلها.
ثم وقف أمامها لحظة. والهواء على صدره — لا على ظهره. واللوحة مستقيمة الآن. والجدار خلفها أملس. يعرف أنه أملس. فحصه. مرّر كفّه. لا شقّ. لا تجويف.
لكنه لم يتحرّك بعد.
يقف هناك، كفّاه إلى جانبيه، وجهه مقابل لقماش مطبوع لا يتذكّر أين اشتراه. وتحت قميصه — في المكان الذي لا يراه ولا يسمّيه ولا يلمسه أحد — النبض البارد يدقّ بإيقاع لا يخصّه.
ستطرق هي الباب بعد دقائق. سيفتح. ستدخل. سيبتسم. ستجلس على الأريكة — الطرف القريب من النافذة. وهو سيجلس على الطرف الآخر. ظهره إلى الجدار. واللوحة فوقهما مستقيمة تمامًا.
مستقيمة تمامًا.
َ
سلطان حسيان .





مبدع👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻
اهنيك.. استمتعت وانا اقرأه