رجل المسدس
صوت من وعي أجاثا كريستي
الجدران في غرفة الطفولة لها صوت.
ليس صوتًا يُسمع، بل صوتًا يُلمس — اهتزاز خافت يسري في العظام حين يُغلَق الباب وينطفئ الضوء.
هو هناك. لا وجه له. لا اسم. ظلٌّ يقف حيث لا مصدر للضوء،
ثقلٌ في الهواء قبل أن أفتح عينيّ.
أعرفه من صرير الخشب، من المسافة بين السرير والحائط حيث تتكاثف الأشياء التي لا تُسمّى.
كانوا يظنون أنني أخترع. الأطفال يخترعون أصدقاء.
لكن هذا ليس صديقًا. الأصدقاء لا يحملون ما يحمله.
الأصدقاء لا يظهرون فقط حين يُغلَق البيت على نفسه ويصير الهواء شيئًا آخر — أثقل، أبرد، أقرب.
الغرفة الآن مكتب.
الجدران طُليَت. لكنه لم يغادر.
تحوّل فقط. صار صوتًا يهمس قبل كل قرار: وماذا لو؟
صار يدًا على الكتف في الحفلات، باردة، تذكّرني أنني لا أنتمي.
صار طعمًا معدنيًّا في الفم كلما وقفت أمام باب لا أعرف ما خلفه.
المسدس لم يعد مرئيًّا. لكنني أعرف أنه محشوّ. أعرف أنه مصوَّب.
ثم كانت الحرب.
في المستشفى، تعلّمت أن الموت ليس وحشًا يقتحم.
الموت صبور. يجلس بجانب السرير، يراقب، ينتظر.
رائحته ليست ما يظنون — ليست كريهة.
رائحته مثل الكلور الممزوج بشيء حلو، شيء يشبه فاكهة بدأت تتعفن من الداخل.
تعلّمت أسماء السموم. كيف تتسلل إلى الدم.
كيف تُبطئ القلب.
كيف تُطفئ الوعي مثل شمعة في مهبّ ريح لا تُرى.
لكن الأهم: تعلّمت الدوافع.
رأيت ابنًا ينظر إلى أبيه المحتضر ويبتسم. رأيت زوجة تمسك يد زوجها وهي تحسب الأيام.
رأيت كيف يتحوّل الحب إلى شيء له أسنان، حين يمتد الانتظار أكثر مما ينبغي.
هو كان هناك أيضًا.
يتنقل بين الأسرّة.
يهمس في آذان الجميع.
ثم كان الآخر.
الذي ظننته مختلفًا.
قال إنه يحب غيري. قالها بهدوء، كأنه يخبرني عن موعد عشاء.
الكلمات دخلت ولم تصل إلى أي مكان، بقيت معلّقة في الهواء كغبار لا يستقر.
أمي ماتت قبلها بأسابيع. أو بعدها. الترتيب لا يهم.
الزمن صار لزجًا، يمتد ويتقلّص بلا منطق.
ثم—
فراغ.
القطار يتحرك.
يداي تحملان حقيبة.
العينان ترَيان لكنهما لا تُسجّلان.
الوعي لم يُطفَأ. الوعي اختار أن يرى فقط ما يُبقي الجسد في حركة.
أحد عشر يومًا — هذا ما قالوه لاحقًا.
ثقب في الزمن.
بياض بين ذاكرتين.
في الفندق، كتبت اسمًا في السجل.
اسمها هي. العشيقة.
ليس انتقامًا.
ليس رسالة.
شيء أغرب: حين تصيرين هي، تتوقفين عن أن تكوني أنتِ.
حين تلبسين اسمها، تخلعين اسمكِ.
الغرفة هادئة. السرير أبيض.
طلبت الفطور. ذهبت إلى التدليك الساعة الثالثة والنصف.
رقصت ليلةً حين عزفت الفرقة أغنية لا أعرفها.
لم أبكِ. لم أتصل بأحد. لم أكتب.
في اليوم السادس، فتحت الصحيفة في المطعم.
صورتي في الصفحة الثالثة.
نفس الشعر.
نفس زاوية الذقن. تحتها: لا تزال مفقودة.
قرأت الخبر كاملًا.
ثم طويت الصحيفة، وطلبت الشاي.
المرأة في الصورة — أعرف ملامحها. لكنها لا تخصّني. اسمها لا يخصّني.
حياتها لا علاقة لها بهذا الصباح، بهذا الفندق، بهذه اليد التي تمسك الفنجان.
الوعي لم يكذب. الوعي أغلق بابًا.
في اليوم الحادي عشر، دخل رجل إلى المطعم.
جلس على طاولة قريبة.
راقبني وأنا أقرأ. ثم اقترب.
قال اسمًا.
نظرت إليه. لم أعرفه. أو: لم أسمح لنفسي أن أعرفه.
قلت: غريب... أخي وصل للتوّ.
لم يكن أخي.
الباب الذي أُغلِق — فُتِح. ببطء. بصرير.
الأشياء عادت إلى أسمائها. الاسم عاد إلى جسده.
لكن شيئًا ظلّ مفقودًا.
أحد عشر يومًا سقطت في شقّ بين زمنين، ولم أستردّها.
لاحقًا، في السيرة، أربعمئة صفحة.
لا جملة واحدة عن تلك الأيام. ليس لأنني خجلت.
بل لأنني — حتى الآن — لا أعرف من كانت تلك المرأة التي رقصت في فندق شمالي،
وقرأت خبر اختفائها، وطلبت الشاي.
ثم بدأت أكتب.
الكلمات تخرج مثل دخان من تحت باب مغلق.
ملتوية. خانقة. بلا شكل واضح.
كتبت عن غرف مظلمة. عن أصوات لا مصدر لها.
عن أشخاص يدخلون منازل بحثًا عن شيء لا يعرفون اسمه.
عن جثث في مكتبات، في قطارات، في جزر لا يغادرها أحد.
قالوا: ذكية.
قالوا: مبدعة.
قالوا: كيف تخترعين كل هذا؟
لم أخترع شيئًا.
كنت فقط أصف الغرفة. الجدران. الظل عند الباب.
في رواياتي، القاتل دائمًا شخص لا تتوقعه.
الخادمة الصامتة. الطبيب اللطيف.
الجارة التي تبتسم كثيرًا. قالوا إنني أفهم النفس البشرية.
لا. أنا فقط أعرف أنه يسكن في الجميع.
في كل غرفة هادئة، في كل زواج طويل،
في كل صداقة تستمر سنوات.
ينتظر.
يراقب. يهمس.
الفرق الوحيد أن بعضهم يسمعه.
وبعضهم يطيعه.
هو يعرف كل الجرائم. لأنه شهدها جميعًا.
يقف عند كل باب مغلق، في كل لحظة قرار،
حين ترتفع اليد أو تهبط.
الحقيقة أنها هناك دائمًا، كطنين خافت في الأذن،
كظلٍّ في زاوية العين.
الحقيقة أنني لا أخترع الجرائم، بل أتذكرها.
من حيوات لم أعشها.
من غرف لم أدخلها.
من وجوه قابلتها في الممر الضيق بين النوم واليقظة.
الآن، غرفة أخرى. أكبر. أهدأ.
النافذة مفتوحة والضوء يدخل بلا استئذان.
لكنني أعرف أنه هنا.
ليس في الظل هذه المرة. ليس عند الباب.
صار في مكان أقرب. في المسافة بين الفكرة والكلمة.
في الفراغ بين جملة وأخرى.
في التردد الذي يسبق كل حرف أكتبه.
لم أهزمه. لن أهزمه. الهزيمة ليست واردة.
لكنني فعلت شيئًا آخر.
كل خوف صار فصلًا. كل شكّ صار شخصية.
كل ليلة لم أنم فيها صارت جريمة يحلّها محقق في غرفة مغلقة.
المسدس لا يزال محشوًّا.
لكن يدي الآن — هي التي تختار أين يُصوَّب.
ٍ
سلطان حسيان .




