العزلة المتعلَّمة
إلى يزيد،
الذي تعلّم الهدوء قبل أن يتعلّم اللعب.
١
قبل أن يرنّ جرس الباب بساعة، كانت الأم في غرفة يزيد.
رآها الأخ الأكبر من الممر، واقفةً عند طرف السرير.
تمرّ يدها على المفرش مرّتين: الأولى بظاهر الكف لتختبر نعومته،
الثانية بباطنه لتسوية انبعاج صغير قرب الوسادة.
تعيد الكتاب إلى الرفّ من جهته الملساء.
تنحني، ترفع طرف السجادة، تُعيده إلى موضعه.
تفتح النافذة قدر إصبعين، ثم تتراجع، ثم تسحبها قليلاً حتى يدخل الهواء ولا يسمع منه صوت.
مرّ الأخ وهو يحمل إبريقاً إلى المطبخ.
توقّف لحظةً، ثم تابع.
لا يسأل في هذه الساعات.
يعرف أن الأسئلة تُطيل الوقت، وأن الوقت في هذه الصباحات مقسَّم بدقّة: ربع ساعة للمفرش، دقائق للضوء، لحظة لمقبض الباب.
حين خرجت الأم من الغرفة، أغلقت الباب بحركة واحدة.
لم تُدِر المقبض لتعود، ولم تتفقّد.
وقفت ثانيةً أمام الخشب، كأنها تستمع، ثم مضت إلى المطبخ.
على الجهة الأخرى، كان شريط ضوء رفيع تحت الباب.
رآه الأخ من الممر لحظةً واحدة وهو عائد، ثم اختفى حين انكسر الظلّ فوقه.
٢
جاءت الهدية في يوم ميلاد يزيد التاسع.
أحضر العمّ كرة قدم بيضاء ببقع سوداء، ملفوفة بشريط أحمر.
مدّها ليزيد وهو يقول: «لعلها تنفعك يا يزيد».
ثم سكت.
الجملة كبُرت في فمه فجأة، وسحب يده بسرعة غير ضرورية.
ابتسم يزيد.
يده لامست البلاستيك اللامع وتوقّفت.
لم يرفع الكرة، اكتفى بمسك طرف الشريط، ثم تركه.
قالت الأم بصوت أعلى قليلاً من المعتاد: «شكراً كثيراً، ستعجبه».
دفعت الكرة برفق نحو الزاوية خلف الأريكة، ثم قدّمت للعمّ كوب قهوة، ثم فتحت كلاماً عن المدرسة وعن الطقس.
كان الأخ يرى الكرة من زاويته.
بيضاء في الظلّ.
البقع السوداء لا تُرى كلّها، فقط حرفها.
في الليل، حين أُطفئت الأنوار ولم يبقَ إلا مصباح الممر، مرّ الأخ بالكرة وهو ذاهب إلى غرفته.
توقّف.
عاد.
دفعها بأطراف أصابعه بضعة سنتيمترات، كأنه يتأكّد أنها مستديرة، أو كأنه يريد أن يسمع صوتها على البلاط.
لم تصدر الكرة أيّ صوت.
بقيت في الزاوية صباحاً.
بقيت بعد يومين.
ثم بعد أسبوع.
مرّت الأم بها مرّات ولم تنظر إليها.
وفي لحظة، انتبه الأخ إلى أن عينه صارت لا تقع عليها؛ صارت الكرة جزءاً من الزاوية، كطرف الأريكة، كقاعدة المصباح.
٣
في المساء، رنّ الهاتف.
كان الأب في الصالة، يتابع بعينيه نشرة الأخبار.
رفع السمّاعة بكفٍّ واحدة، والثانية لا تزال على جهاز التحكّم.
قال بنبرة واضحة، هادئة، كأنها مكرَّرة من قبل: «يزيد يفضّل الهدوء.
لا تنزعجوا.
ابعثوا سلامي».
أغلق الخطّ قبل أن ينتهي الطرف الآخر من الردّ.
كان يزيد على بُعد خطوات، عند مدخل الصالة في كرسيّه.
سمع الجملة.
لم يحرّك يديه.
نظر إلى الأرض.
جرّ ذراعه اليمنى قليلاً نحو فخذه، كأنها ثقلت، ثم أعادها.
كان الأخ يحلّ واجباً على الطاولة الصغيرة في الركن.
سمع جملة الأب ولم يرفع رأسه.
القلم في يده صار أبرد.
شطب كلمةً صحيحة، ثم أعادها كما هي، بالحروف نفسها.
لم يتحرّك الأب بعد الهاتف.
رفع صوت التلفاز درجةً واحدة.
مرّت الأم في الممر حاملةً منشفة مطويّة، ابتسمت للأب ابتسامة قصيرة، وتابعت إلى غرفتها.
ذهب يزيد إلى غرفته.
حركة العجلتين على البلاط، ثم على السجاد، ثم صمت.
٤
في العيد، اجتمعت العائلة في الصالة.
كانت الأصوات كثيرة: أطفال يلاحقون بعضهم في الممر، نساء يضحكن قرب صحون الحلوى، رجال يرفعون أصواتهم فوق خشخشة الفناجين.
رائحة الورد الصناعيّ والبخور الثقيل تملأ الجوّ.
ارتفع الضجيج مرةً، خفَت، ارتفع مجدداً.
جاء يزيد بكرسيّه حتى عتبة الصالة.
توقّف هناك.
لم يدفع العجلتين إلى الأمام.
يداه على الذراعين، أصابعه مفرودة، ثم انقبضت، ثم ارتخت.
رأى الأخ، فابتسم ابتسامة صغيرة متأخّرة.
نظر إلى الطاولة حيث الحلوى.
نظر إلى الأم، فوجدها تتحدّث إلى خالته ووجهها نصف مُدار عنه.
استدارت الأم قليلاً، رأته في طرف عينها، ابتسمت، ثم واصلت حديثها.
تراجع الكرسيّ سنتيمتراً.
ثم سنتيمتراً آخر.
بلا صوت تقريباً، لأن الممر مكسوّ بسجاد سميك.
التفتت الخالة فجأةً، بدفعة مبتهجة غير محسوبة: «يا يزيد، تعال عندي!».
لكنّ يد الأم ارتفعت برفق على كتفها، وصوتها اندفع قبل الردّ: «لا، لا، هو لا يحبّ الإزعاج.
خلّيه على راحته».
قالتها وهي تبتسم.
انسحب يزيد إلى غرفته.
لم يره أحد يمضي، باستثناء الأخ، الذي لم يقف، لم يبتسم بالكامل، لم يقل شيئاً.
نظر إلى صحن الحلوى أمامه، وأخذ قطعةً، ومضغ.
الحلوى كانت جافّة قليلاً.
بلعَ بصعوبة.
شرب ماءً من كأس قريبة كانت لشخص آخر.
٥
في ظهيرة أخرى، دخل الأخ المطبخ ليشرب ماءً.
كان يزيد هناك وحده، كرسيّه مدفوع إلى الطاولة.
على الرفّ الأوسط، كوب ماء، أبعد قليلاً من حافة الطاولة.
لم ينتبه الأخ في البداية.
فتح الثلّاجة، أخرج إبريقاً.
حين التفت، رأى ذراع يزيد ممدودة، وأصابعه مفرودة، وكفّه تمسك فراغاً.
لم يتحرّك الأخ.
وقف عند حافة الثلّاجة، الإبريق بيده.
حاول يزيد أن يسحب نفسه بالكرسيّ خطوةً إلى الأمام، فاصطدمت العجلة بقاعدة الكرسيّ المعدنيّ.
صوت خفيف جداً.
رفع ذراعه ثانيةً، ملأ كفّه فراغاً أقرب.
بقي هكذا لحظة.
خرج من فمه صوت صغير، ليس كلمة، ليس تأوّهاً، شيء بينهما.
ثم أنزل يده.
سوّاها على فخذه.
نظر إلى الكوب مرةً، ثم إلى النافذة.
ضوء الظهيرة كان على الزجاج، وعلى حافة الرفّ.
دخلت الأم.
رأت الكوب، رأت وجه يزيد.
قالت بحنان: «أنا أحضره لك».
أنزلته، ملأته، وضعته قرب مرفقه.
ربّتت على كتفه، ابتسمت، خرجت.
انتظر يزيد حتى هدأ صوت خطواتها، ثم دفع الكوب بأطراف أصابعه إلى حافة الطاولة، ثم إلى منتصفها، كأنه يعيده إلى مكانه البعيد مرةً أخرى.
لم يشرب.
كان الأخ لا يزال عند الثلّاجة.
أغلق بابها بأبطأ ممّا يلزم.
وضع الإبريق على الطاولة.
خرج.
نسي أن يملأ كأسه.
٦
في الشتاء، جاء مصوِّر لصورة عائلية.
طلب منهم أن يجلسوا على الأريكة الطويلة.
الأم في الوسط، الأب على اليمين، الأخ على اليسار.
يزيد في كرسيّه أمام الأم، قليلاً إلى الجانب.
ترك المصوِّر بينه وبين الأخ مسافةً صغيرة، قال: «ليكون الإطار واضحاً أكثر».
ثبّت الكاميرا.
قال: «ابتسموا من فضلكم».
ضحكت الأم ضحكةً قصيرة.
رفع الأب زاوية فمه.
أبقى الأخ شفتيه مغلقتين.
نظر يزيد إلى العدسة مباشرة، بلا تغيير يُذكر على ملامحه.
بين الصورة الأولى والثانية، اقترح المصوِّر أن يقرِّب الأخ كرسيّ يزيد إليه قليلاً لتنغلق الفجوة.
قالت الأم بسرعة: «لا، لا، هكذا أفضل.
الإطار يتّسع».
استجاب المصوِّر.
أخذ الصورة، ثم صورةً ثالثة للاطمئنان.
حين طُبعت بعد أسبوع، رأى الأخ الفراغ.
مسافة بعرض كفّ، بين كتفه وكتف أخيه.
وضعت الأم الصورة على المنضدة، قرب الإناء.
مسحت الزجاج بطرف كمّها.
قالت وهي تمضي: «حلوة».
لم تضعها في إطار أكبر.
بقيت صغيرة، بجانب أُطُر أقدم ممتلئة بوجوه أقارب بعيدين.
لم يقل الأخ شيئاً.
مرّ بها مراراً في الأسابيع التالية.
لم ينظر إليها إلا من زاويته، حيث الفراغ لا يُرى تماماً.
٧
بعد أشهر، دخلت الأم الصالة ومعها الكرة.
كانت قد بقيت في زاوية غرفة المعيشة منذ يوم الهدية.
البقع السوداء عليها صارت رمادية.
البلاستيك فقد لمعانه، وتراكم عليه غبار ناعم كطبقة من الصقيع.
حين رفعتها الأم بيد واحدة، سمع الأخ صوت الغبار ينفصل عنها، كنَفَس خفيف.
حملتها كأنها خفيفة جداً أو ثقيلة جداً.
مشت إلى الخزانة في الممر.
فتحت الباب السفلي.
أنزلت الكرة خلف صفّ من المفارش الشتوية المطويّة.
أغلقت الباب.
وقفت لحظة.
عدّلت وضع المقبض حتى استقام تماماً.
لم تنظر حولها.
لم تتحقّق إن كان أحد يراها.
مرّت من أمام الأخ في غرفة الطعام، ولم يتبادلا النظرة.
ذهبت إلى المطبخ.
سمع صوت الماء في الحوض، ثم سكوتاً، ثم الماء ثانية.
كان الأخ يعرف أن الكرة هناك.
لم يفتح الخزانة بعدها.
كلّما مرّ بها، أبطأ نصف خطوة دون أن ينتبه.
في تلك الليلة، كان عشاؤهم صامتاً بأكثر من العادة.
مدّت الأم صحن الأرز ليزيد مرّتين دون أن يطلب.
قال الأب: «الطقس بارد».
لم يردّ أحد.
أكل الأخ ببطء، وعدَّ حبّات الأرز في ملعقته دون قصد.
٨
مرّ عام.
في مساء عاديّ، كان الأخ والأم في الصالة.
جاء طَرقٌ خفيف على الباب.
صوت جار من الخارج، يسأل إن كان يزيد يريد الانضمام إلى أبناء عمومته في نزهة قصيرة إلى الحديقة قبل المغرب.
تحرّك الأخ ليستدعي يزيد، لكنّ يزيد كان قد وصل إلى عتبة الصالة بكرسيّه.
ربما سمع السؤال، ربما شعر باتجاه الأصوات.
رفع رأسه قليلاً نحو أمه.
لم يتبادلا النظر، فقط اقتربا من التبادل.
ثم قال بهدوء:
«أنا أفضِّل البقاء هنا».
لم يُضف شيئاً.
لم يبرِّر.
نبرته كانت خفيضة، مستوية، مألوفة.
كأنها جملة سمعها قبل أن يقولها.
الأم رفعت رأسها، ابتسمت ابتسامةً راضية، ثم عادت إلى طيّ منشفة على حجرها.
الأب، في المقعد الآخر، لم يرفع عينيه عن هاتفه، لكن طرف فمه تحرّك قليلاً إلى الأعلى، ثم استقام.
استدار يزيد بكرسيّه.
حركة العجلتين على البلاط، ثم على السجاد.
ثم صوت الباب يُغلق: ليس بعنف، ولا برفق، بل بالقدر الذي يجعل اللسان المعدنيّ ينغلق في مكانه بصوتٍ واحد.
بعد لحظة، عاد الطَّرق.
قام الأخ.
فتح الباب.
الجار يبتسم، ينظر خلف كتف الأخ:
«أين يزيد؟».
قال الأخ، قبل أن يفكّر:
«هو يفضِّل العزلة».
أغلق الباب.
ظلّ يده على المقبض لحظةً أطول ممّا يلزم.
مشى إلى الصالة.
جلس في مكانه.
رفع الكتاب الذي كان يقرأ.
لم يفتحه.
في الممر البعيد، كان شريط الضوء تحت باب يزيد لا يزال مضاءً.
ثم أُطفئ.
ِ





